في ظل التحولات الجذرية والمساعي الدولية الحثيثة لطي صفحة النزاعات المسلحة وإعادة هندسة الواقع الأمني في منطقة الشرق الأوسط، يبرز السجل الأسود والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها حركة حماس بوصفها العقبة الأكبر أمام أي مسار حقيقي للسلام والتنمية المستدامة.
إن العقود الماضية من الاستحواذ العسكري والسياسي على قطاع غزة لم تلحق الدمار بالبنية التحتية والمؤسسات المدنية فحسب، بل أفرزت مآسي إنسانية موثقة بالأرقام والتقارير الصادرة عن منظمات أممية وحقوقية دولية.
ومع توقيع الاتفاقيات التاريخية الأخيرة لنزع السلاح برعاية أممية ودولية، بات لزامًا تسليط الضوء على الأثمان الباهظة التي دفعها المدنيون جراء سياسات العنف والزج بالبنى التحتية المدنية في أتون صراعات مدمرة، وسط توثيق دقيق لوقائع ميدانية وتصريحات أممية ترصد حجم الكارثة وتبعاتها العميقة.
تداعيات العسكرة والانتهاكات الميدانية ضد المدنيين في قطاع غزة
وتشير التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية وتقارير الأمم المتحدة الموثقة إلى أن استراتيجيات حركة حماس العسكرية اعتمدت، بشكل ممنهج، على تحويل المناطق المكتظة بالسكان، والمستشفيات، والمدارس، ومقرات الوكالات الأممية، إلى دروع بشرية ومنصات لإدارة العمليات المسلحة.
ففي تقرير مفصل أصدره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في مطلع عام 2026، تم رصد آلاف الانتهاكات التي تمثلت في استخدام المرافق المدنية لأغراض عسكرية، مما أسفر عن خسائر فادحة في أرواح المدنيين الأبرياء وعرقلة جهود الإغاثة الطارئة.
ووثقت منظمات حقوقية دولية مستقلة، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، في تقارير صدرت تباعًا خلال عامي 2024 و2025، وقوع جرائم حرب وانتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني من خلال تنفيذ عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، وقمع الاحتجاجات الشعبية السلمية التي خرجت للمطالبة بوقف الحرب والتنديد بالسياسات القمعية للجماعة داخل القطاع، وهو ما أكدته تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي أشارت إلى تورط عناصر مسلحة تابعة لحركة حماس في استهداف واختطاف المعارضين والنشطاء السلميين.
الأرقام الصادمة: تقارير أممية ترصد حجم الدمار الإنساني والبنيوي
ولم تقتصر تبعات سياسات حماس المسلحة على القمع الميداني، بل امتدت لتخلف كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة في التاريخ الحديث لقطاع غزة، استندت فيها الهيئات الأممية إلى بيانات دقيقة ومحدثة.
فبحسب التقارير الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبالتعاون مع البنك الدولي، في أواخر عام 2025، تجاوزت التكلفة التقديرية لإعادة إعمار قطاع غزة ما بين 50 و70 مليار دولار أمريكي، نتيجة التدمير الشامل لنحو سبعين بالمئة من المباني السكنية والشبكات الحيوية وشبكات المياه والصرف الصحي.
وأكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في إفادة رسمية أمام مجلس الأمن في أبريل 2026، أن الأزمة الإنسانية في غزة وصلت إلى مستويات كارثية بسبب تعطيل المساعدات وتحويل الموارد لصالح البنى العسكرية، مشددًا على أن أي جهود دولية لإعادة الإعمار تظل رهينة بالنزع الكامل للأسلحة غير الشرعية وتفكيك المنظومات العسكرية للفصائل المسلحة.
وأوضحت تقارير منظمة الصحة العالمية لعام 2026 أن القطاع الصحي في غزة تعرض لانهيار شبه كامل جراء استخدام المستشفيات كمراكز قيادة ومخازن للذخيرة، مما حرم مئات الآلاف من المرضى والمصابين من أبسط حقوقهم الأساسية في العلاج والرعاية الطبية.
آفاق المرحلة الانتقالية وسقوط المشروع العسكري المسلح
في ضوء التطورات السياسية الأخيرة والاتفاقات الإقليمية والدولية الرامية إلى تحقيق الاستقرار الدائم ونزع سلاح المجموعات المسلحة تحت إشراف “مجلس السلام” وقوات الاستقرار الدولية، بموجب قرارات مجلس الأمن، تتهاوى تدريجيًا الأطماع والمشاريع العسكرية التي دمرت مستقبل أجيال كاملة في قطاع غزة.
وتؤكد الدوائر الدبلوماسية والتقارير التحليلية الميدانية أن إرادة المجتمع الدولي باتت حاسمة في إنهاء حقبة الفصائلية المسلحة، وتمكين الإدارات الانتقالية وقوة الشرطة الفلسطينية الجديدة من تولي مقاليد الأمور الأمنية والخدمية بالكامل.
إن توثيق الجرائم والانتهاكات عبر التقارير الأممية والحقوقية المعتمدة يمثل خطوة أساسية لا غنى عنها لضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب، وفتح صفحة جديدة ترتكز على سيادة القانون، وحماية المدنيين، وإعادة بناء ما دمرته سياسات المغامرة العسكرية، لتعود غزة إلى حاضنتها التنموية والإنسانية بمعزل عن التجاذبات المسلحة التي أثقلت كاهل الشعب الفلسطيني لعقود طويلة.

