ذات صلة

جمع

أذرع الأخطبوط..كيف تدير طهران حرب الاستنزاف عبر وكيلها الحوثي باليمن؟

خلف شعارات الممانعة الزائفة وخطابات التضليل المعهودة، تقبع غرفة...

من الموازنة إلى الديون.. كيف تتآكل الخيارات الاقتصادية للعراق؟

تحت وطأة موازنات ممزقة بديون مخنوقة ومال عام مستباح،...

نهاية حلم التنظيم.. إرث ثورة يوليو يقضي على طموحات الإخوان في المنطقة

في مشهد تاريخي يعيد رسم ملامح الاستقرار الإقليمي، يتهاوى...

أجندة الإخوان في اليمن: عرقلة جهود السلام وتغذية الانقسامات

حين تتقدم الشعارات البراقة لتتستر خلفها صفقات مشبوهة ومصالح...

من الظلام إلى العطش.. كيف أطاح انقطاع الكهرباء بشرايين الحياة الأساسية في ليبيا؟

بين لهيب درجات حرارة تخطت عتبة الخمس والأربعين وسوط الظلام الدامس الذي يلف المدن، يعيش المواطن الليبي فصول مأساة غير مسبوقة تكشف هشاشة البنية التحتية في بلد يسبح فوق بحار من الطاقة والنفط.

لم يعد انقطاع التيار الكهربائي لساعات طوال مجرد أزمة خدمات تقليدية، بل تحول إلى إعصار معيشي يعطل المدارس والمستشفيات ويشعل غضب الشارع باحتجاجات عارمة، والأدهى من ذلك، أن أنياب هذا العجز طالت الشريان الأسترالي الأهم للبلاد، لتخرج مئات الآبار الجوفية التابعة لـ”النهر الصناعي العظيم” عن الخدمة، ضاربة في عمق الأمن المائي والوجودي لليبيين، في مشهد معقد ينذر بكارثة عطش تلوح في الأفق إن لم تتحرك الدولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وبين احتجاجات شعبية غاضبة تشعل الإطارات وتغلق الطرق احتجاجًا على عشوائية تخفيف الأحمال وغياب العدالة في التوزيع، وصراع الميليشيات المسلحة على مقدرات الطاقة والوقود، توثق التقارير الحقوقية والأممية انهياراً شبه تام للبنية التحتية.

ومع بلوغ درجات الحرارة مستويات قياسية تتجاوز 45 درجة مئوية، يقف المواطن الليبي وحيدًا في مواجهة أزمة وجودية تهدد استقرار البلاد وسلامة أجيالها القادمة.

تفاصيل أزمة الكهرباء في المدن

تتوالى فصول المأساة المعيشية في مختلف المدن الليبية مع دخول فصل الصيف واستمرار أزمة انقطاع التيار الكهربائي لمدد تصل إلى سبع ساعات يوميًا، مما فجر موجة عارمة من الغضب الشعبي العارم في الشارع.

حيث تشير تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في منتصف يونيو 2026، إلى أن تفاقم أزمة الطاقة في ليبيا بات يمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان الأساسية في العيش الكريم والحصول على الخدمات الصحية والتعليمية الضرورية.

وقد شهدت مناطق عدة في غرب ليبيا وشرقها احتجاجات شعبية حاشدة، حيث أضرم المحتجون النيران في العجلات المطاطية وأغلقوا الطرق الرئيسية، كما حدث في مدينة تاجوراء الساحلية ومنطقتي سوق الجمعة وأبو سليم بطرابلس، تنديدًا بما سموه “عدم وجود عدالة في تخفيف الأحمال” وازدواجية المعايير التي تُميز بين مدينة وأخرى في توزيع الساعات المتاحة من التيار.

وفي ذات السياق، اضطرت بلدية طرابلس في يوليو 2026 إلى إصدار قرار رسمي بتعليق العمل بجميع الإدارات والمكاتب والقطاعات التابعة لها، ومنح الموظفين عطلة استثنائية بسبب الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة واستمرار الإظلام التام الذي جعل الحياة داخل المنازل والمؤسسات شبه مستحيلة.

وأكد بيان صادر عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا “UNSMIL” في أواخر الشهر الجاري، أن استمرار العجز الهيكلي في قطاع الكهرباء يعود بالدرجة الأولى إلى حالة الانفلات الأمني وغياب الاستقرار السياسي، فضلاً عن الاشتباكات المسلحة المتكررة بين الميليشيات المتناحرة والتي تستهدف تدمير البنية التحتية لشبكات النقل ومحطات التوليد.

وأشار التقرير الأممي إلى أن الشبكة الكهربائية الليبية تعرضت لانهيار شبه تام عقب فقدان أكثر من 1350 ميغاواط من القدرة الإنتاجية، نتيجة الأضرار البالغة التي لحقت بالمحطات الرئيسية وتعطل إمدادات الغاز والوقود اللازمة لتشغيلها.

كارثة النهر الصناعي: عندما يهدد الظلام الأمن المائي لليبيا

لم تتوقف تداعيات أزمة الكهرباء عند حدود الإزعاج المعيشي وتعطيل الحياة العامة، بل امتدت لتشكل خطرًا داهمًا وتهديدًا مباشرًا للأمن المائي الاستراتيجي للبلاد عبر خروج منظومة “النهر الصناعي العظيم” عن الخدمة في أجزاء حيوية واسعة.

وفي تقرير رسمي أصدره جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي في أواخر يوليو 2026، تم توثيق وقائع مفزعة تتمثل في خروج 143 بئرًا عن الخدمة بشكل فجائي في حقلين رئيسيين هما حقل آبار السرير وحقل آبار تازربو.

وأوضح البيان، أن انقطاع التيار الكهربائي الناجم عن توقف الوحدة الأولى بمحطة توليد الكهرباء الغازية في السرير أدى إلى خروج 51 بئرًا في تازربو و92 بئرًا في السرير، مما اضطر الإدارة العامة للجهاز إلى إعلان حالة الطوارئ وتخفيض الإمدادات المائية عن بعض المدن لحماية منظومة الأنابيب والحفاظ على الحد الأدنى من منسوب المياه في خزان أجدابيا الاستراتيجي.

وقد حذرت تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “UNDP” في ليبيا خلال شهر يوليو 2026، من أن استمرار توقف آبار المياه ومحطات الضخ الرئيسية جراء أزمة الطاقة سيفاقم من الأزمة الإنسانية ويخلق كارثة عطش تحاصر ملايين المواطنين في الساحل والداخل.

صراع الميليشيات وأزمات الوقود: الأسباب الخفية لانهيار منظومة الطاقة

تكشف المستندات والتقارير الأمنية المتاحة عن أن أزمة الكهرباء في ليبيا ليست وليدة صدفة مناخية أو أعطال فنية بحتة، بل هي نتاج مباشر للصراع المحتدم بين الميليشيات المسلحة على تقاسم النفوذ وثروات البلاد.

وبحسب تقارير فريق الخبراء الدوليين المعني بليبيا التابع لمجلس الأمن في مياي 2026، فإن الاشتباكات المسلحة المتكررة التي تشهدها مدن غرب ليبيا، وخصوصًا مدينة الزاوية ومحيط العاصمة، أدت إلى فقدان أكثر من 1700 ميغاواط من القدرة الإنتاجية للشبكة، بسبب تضرر خطوط النقل الرئيسية واستهداف محطات التحويل بقذائف الهاون والأسلحة الثقيلة.

وأضاف التقرير أن نقص إمدادات الوقود والغاز، وتورط شبكات تهريب منظمة مرتبطة بأطراف مسلحة في سرقة مخصصات محطات التوليد لإعادة بيعها في السوق السوداء، تسببا في خسارة إضافية تجاوزت 1000 ميغاواط، مما خلق حالة “الإظلام التام” التي ضربت البلاد.

وتستند الأزمة الهيكلية والخدمية المتفاقمة في قطاع الكهرباء والبنية التحتية في ليبيا إلى تقارير أممية وحقوقية موثقة توضح حجم التدهور المستمر منذ سنوات.

فبحسب تقارير فريق الخبراء الدوليين المعني بليبيا التابع لمجلس الأمن الصادرة في عامي 2025 و2026، فإن الصراع المستمر بين الميليشيات المسلحة وسيطرتها على مقدرات الدولة والمنشآت الحيوية أدى إلى خسارة فادحة تجاوزت آلاف الميغاواط من القدرة الإنتاجية للشبكة، لا سيما بفعل الاشتباكات المتكررة في مدن غرب ليبيا وتخريب خطوط النقل ومحطات التوليد.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير منظمة العفو الدولية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أن الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي لمدد تتجاوز الساعات الطويلة في ظل درجات حرارة قياسية تتجاوز 45 درجة مئوية تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق المواطنين الأساسية في العيش الكريم والحصول على الخدمات الضرورية كالصحة والتعليم.

وقد امتدت التداعيات الكارثية لأزمة الطاقة، وفقًا للبيانات الرسمية لـ جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي في يوليو 2026، لتتسبب في خروج 143 بئرًا مائية حيوية عن الخدمة في حقيلي السرير وتازربو، مما ينذر بكارثة عطش تهدد الأمن المائي والستراتيجي للبلاد، وسط عجز حكومي متكرر ومساعٍ ترقيعية عبر تسوية الديون الخارجية واستيراد الكهرباء لاحتواء الغضب الشعبي العارم.