تحت وطأة موازنات ممزقة بديون مخنوقة ومال عام مستباح، يواجه الاقتصاد العراقي منزلقًا خطيرًا ينذر بانهيار شامل يهدد معيشة ملايين المواطنين. لم يعد الخلل المالي في العراق مجرد أزمة عابرة تفرضها تقلبات الأسواق، بل أصبح نتاجًا مباشرًا لسيطرة اقتصاد الريع وتغول الميليشيات التي جعلت من مؤسسات الدولة غنيمة لتمويل أجنداتها الخاصة.
ومع دق ناقوس الخطر عبر التقارير الحقوقية والأممية التي توثق تفشي البطالة وتجاوز نسب الفقر لعتبات خطيرة، تتكشف بوضوح قسوة المشهد العراقي، حيث تتلاحم أزمة شح الموارد مع سطوة السلاح لتغلق أمام الشعب كل أبواب الأمل والعيش الكريم.
الموازنة الانفجارية وديون بلا أفق: الأرقام التي تفضح الأزمة
تُظهر قراءة الموازنات العامة المتعاقبة في العراق فهمًا عميقًا لعمق الخلل الهيكلي الذي يعاني منه الاقتصاد الوطني، حيث تحولت الموازنة من أداة للتخطيط والتنمية المستدامة إلى عبء مالي ثقيل يستنزف الخزينة العامة.
حيث تشير تقارير صادرة عن البنك الدولي في منتصف عام 2025 إلى أن حجم الدين العام العراقي الداخلي والخارجي قد بلغ مستويات مقلقة تهدد الاستقرار المالي طويل الأجل، خصوصًا مع اعتماد الموازنة على الإيرادات النفطية بنسبة تتجاوز 90%، هذا الاعتماد الأحادي جعل الاقتصاد العراقي رهينًا لتقلبات الأسواق العالمية، وأفقد الدولة أي مرونة مالية لمواجهة الصدمات الخارجية، في ظل غياب شبه تام لتنويع مصادر الدخل القومي وتشجيع القطاع الخاص الذي يتعرض لعمليات إقصاء ممنهجة.
وفي سياق متصل، وثّق تقرير صادر عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) في مطلع عام 2026، أن تضخم الإنفاق التشغيلي المخصص للرواتب والأجور قد استأثر بنحو 70% من إجمالي الموازنة العامة، مما حرم قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية من الاعتمادات المالية الكفيلة بإحداث أي تغيير حقيقي في جودة الحياة للمواطنين.
وأكد التقرير الأممي، أن استمرار هذا النمط المالي يضع الحكومة أمام حائط مسدود، لا سيما مع تراجع القدرة على تمويل المشروعات الاستثمارية الكبرى، وتراكم المتأخرات لصالح الشركات الأجنبية والمحلية المنفذة للمشروعات الخدمية، وهو ما يفسر حالة الشلل التام التي تصيب قطاعات الكهرباء والطرق والخدمات الأساسية في مختلف المحافظات.
هيمنة الميليشيات واقتصاد الظل: استنزاف مقدرات الدولة
لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية الخانقة في العراق عن الواقع الأمني والسياسي المتمثل في سيطرة الجماعات المسلحة والميليشيات على مفاصل اقتصادية حساسة.
فبحسب تقارير حقوقية دولية ومحلية، من أبرزها تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في أواخر العام الماضي، فإن شبكات النفوذ الميليشياوي تدير “اقتصاد ظل” موازيًا لاقتصاد الدولة الرسمي، يعتمد على عمليات التهريب الممنهج عبر المنافذ الحدودية، وفرض الإتاوات على التجار والمستثمرين، والسيطرة على عقود المشاريع الحكومية عبر واجهات تجارية وهمية، هذا الاستنزاف المنظم للمال العام يحرم الخزينة الإيرادية من مليارات الدولارات سنويًا، ويوجهها نحو تمويل أجندات مسلحة بعيدة كل البعد عن مصلحة الدولة الوطنية والمواطن.
البطالة والفقر: الانعكاسات الكارثية على الشارع العراقي
تتجسد المأساة الاقتصادية الحقيقية في الأرقام المفزعة التي تسجلها المؤشرات الاجتماعية حول معدلات البطالة والفقر بين صفوف الشباب العراقي، رغم الطفرات النفطية المؤقتة.
وأفاد الجهاز المركزي للإحصاء في العراق، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، في تقريره النصف سنوي لعام 2026، بأن نسبة الفقر العامة في البلاد قد تجاوزت 31%، وترتفع هذه النسبة لتتجاوز 45% في المحافظات الجنوبية والريفية التي تشهد أساسًا ترديًا حادًا في الخدمات العامة والبنية التحتية.
وأشار التقرير إلى أن سوق العمل العراقي عاجز تمامًا عن استيعاب مئات آلاف الخريجين السنويين، في ظل غياب أي خطط استراتيجية لتشغيل الشباب أو دعم قطاع الصناعة والزراعة الذي تعرض لتدمير ممنهج لصالح السلع المستوردة المدعومة من شبكات النفوذ الحزبي والميليشياوي.
وفي ذات السياق، أكد بيان صادر عن الشبكة العربية للمعلومات في مايو 2026، أن سياسات التجويع والإهمال المتعمد التي تمارسها أطراف متنفذة في الدولة أدت إلى اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية المطلبية، حيث خرج آلاف العاطلين عن العمل والخريجين في تظاهرات حاشدة بمدن البصرة وذي قار وواسط ونابلس والنجف، للمطالبة بإنهاء هيمنة الفاسدين على مقدرات الدولة وتوفير فرص عمل حقيقية بعيدًا عن المحاصصة الحزبية المقيتة.
وشدد البيان على أن استمرار تجاهل المطالب المعيشية للمواطنين، بالتزامن مع تفشي مظاهر الثراء الفاحش لطبقة المنتفعين المرتبطين بالميليشيات، يمثل قنبلة موقوتة تهدد بالانفجار الشامل في أي لحظة، خصوصًا مع عجز الحكومة الحالية عن تقديم أي حلول جذرية تخرج الاقتصاد الوطني من نفق التبعية والانهيار.
غياب الإصلاح الحقيقي وآفاق مستقبلية مظلمة
على الرغم من إعلان الحكومات المتعاقبة عن حزم إصلاحية وبرامج اقتصادية تهدف إلى تنويع مصادر الدخل ومكافحة الفساد المالي والإداري، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى فشل ذريع في تطبيق هذه الوعود.
وتؤكد ورقة سياسات أصدرها معهد الشرق الأوسط للبحوث في يونيو 2026 أن الإصلاحات في العراق تظل حبرًا على ورق ما لم يتم تفكيك شبكات الفساد العميق ونزع السلاح المنفلت الذي يشكل الدرع الواقي للمنتفعين من استمرار الأزمة.
وأوضحت الورقة، أن أي محاولة لإصلاح النظام الضريبي، أو تنظيم القطاع المصرفي، أو إعادة هيكلة الشركات العامة الخاسرة، تصطدم بمقاومة شرسة من قبل الأقطاب السياسية والميليشياوية التي تستفيد من حالة الفوضى الإدارية والمالية.
وفي شهادة دولية جديدة، حذرت صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير الصادر في يوليو 2026 من أن استمرار العراق في سياسة الإنفاق غير المستدام والاعتماد المطلق على النفط دون إصلاحات هيكلية حقيقية سيوصل البلاد إلى مرحلة العجز المالي الكامل خلال السنوات القليلة المقبلة، داعيًا السلطات العراقية إلى اتخاذ خطوات جريحة وفورية تتضمن تعزيز الشفافية، ومحاربة غسيل الأموال، واستعادة الأموال السيادية المنهوبة، وفرض سلطة القانون على كامل الأراضي وتحرير الاقتصاد من قيود الميليشيات.

