ذات صلة

جمع

العراق بين الاقتراض والعجز.. هل دخل الاقتصاد مرحلة الخطر؟

يقف العراق اليوم أمام مفارقة قاسية وموجعة، فبينما يمتلك...

من يحيى السنوار إلى خليل الحية.. هل يتغير المشهد أم تتكرر الأخطاء؟

تحت سماء غزة التي أنهكتها آلة الحرب، وتحت وطأة...

من الانقلاب إلى تهديد السفن.. كيف يصنع الحوثيون أزمات اليمن؟

تعصف باليمن أزمة وجودية غير مسبوقة جراء السيطرة المسلحة...

إخوان تونس والرهان على الأزمات.. صناعة الفوضى بدلًا من السياسة

تحت سماء تونس الخضراء، دفعت الدولة والمواطن معًا فاتورة...

العراق بين الاقتراض والعجز.. هل دخل الاقتصاد مرحلة الخطر؟

يقف العراق اليوم أمام مفارقة قاسية وموجعة، فبينما يمتلك في باطن أرضه ثروات هائلة تجعله في مصاف أغنى دول العالم، يغرق موطنه فوق السطح في أزمات مالية خانقة وديون متراكمة، ليست هذه سوى نتيجة حتمية لتقاطع مسارين كارثيين منها فساد مؤسسي مفرعن استنزف مقدرات الدولة، وسلاح منفلت فرض منطقه الخاص خارج شرعية القانون.

ومع عجز الموازنة العامة وتآكل القدرة الشرائية للمواطن، تتحول الدولة تدريجيًا إلى رهينة لصراعات النفوذ والمال السياسي، بينما يظل الإنسان العراقي وحده يدفع الثمن الفادح لضياع فرصة تاريخية أخرى للبناء والاستقرار.

المأزق المالي العراقي: أرقام مرعبة وعجز يهدد الاستقرار

وتُظهر لغة الأرقام الرسمية والتقارير الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي صورة قتامة للمشهد الاقتصادي العراقي، حيث باتت الدولة تعتمد بشكل شبه كلي على تصدير النفط الخام وسط تذبذب الأسواق العالمية وعجز هيكلي متزايد في الموازنة.

ففي تقرير دوري أصدره البنك الدولي في مطلع عام 2026، تم التحذير من أن حجم الدين العام الداخلي والخارجى للعراق قد وصل إلى مستويات قياسية تشكل خطرًا جسيمًا على الاستقرار النقدي والمالي للبلاد.

وفي ذات السياق، أشار تقرير صادر عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” في أواخر عام 2025، أن الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي لتغطية النفقات التشغيلية الباهظة، وعلى رأسها رواتب الموظفين، يضع البلاد في مسار حتمي نحو الإفلاس الاقتصادي، خاصة مع غياب أي خطط تنموية حقيقية لتنويع مصادر الدخل القومي وتشغيل القطاع الخاص بعيدًا عن هيمنة الدولة والجهات الحزبية.

هيمنة الميليشيات المسلحة: اقتصاد الظل واستنزاف مقدرات الدولة

ولا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية الخانقة في العراق عن الواقع الأمني والسياسي المتمثل في سطوة الميليشيات المسلحة والجهات الخارجة عن سلطة القانون.

حيث تشير التقارير الحقوقية والدولية الصادرة عن منظمات عالمية مثل هيومن رايتس ووتش ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أن هذه الميليشيات قد نجحت في بناء “اقتصاد ظل” موازي لا يقل خطورة عن اقتصاد الدولة الرسمي.

وتكشف المعطيات الموثقة بتواريخ دقيقة خلال أعوام 2024 و2025 أن الفصائل المسلحة تسيطر بشكل كامل على المنافذ الحدودية الرئيسة، وتفرض إتاوات غير قانونية على حركة التجارة والبضائع، وتقوم بعمليات تهريب منظمة للعملة الصعبة والنفط، مما يحرم الخزينة العامة من مليارات الدولارات سنويًا.

هذا الاستنزاف المنظم للموارد الوطنية يصب مباشرة في تمويل أجندات خارجية وتوسيع النفوذ العسكري على حساب لقمة عيش المواطن العراقي البسيط.

تقارير أممية وحقوقية توثق الانتهاكات والفساد الممنهج

وتتطابق الشهادات والتقارير الموثقة الصادرة عن هيئات مكافحة الفساد الدولية واللجان الأممية على أن غياب سيادة القانون واستشراء الفساد الإداري والمالي المبرمج هما السببان الرئيسيان وراء انهيار البنية التحتية والخدمات الأساسية في العراق.

ففي تقرير مفصل أصدرته منظمة الشفافية الدولية في أواخر عام 2025، صُنف العراق ضمن الدول الأكثر فسادًا في العالم نتيجة لآليات “المحاصصة” الحزبية والميليشياوية التي تتقاسم المؤسسات الحكومية وتنهب عقود المشاريع الوهمية.

وتوثق تقارير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة كيف أن عقود إعادة الإعمار في المحافظات المتضررة من النزاعات قد تحولت إلى حقول لغسيل الأموال وتحقيق ثروات طائلة لقيادات الميليشيات والأحزاب النافذة، بينما يعاني ملايين العراقيين من الفقر المدقع، وشح المياه، وانقطاع التيار الكهربائي المستمر في ظل درجات حرارة قاسية، مما يؤكد غياب أي شعور بالمسؤولية الوطنية تجاه الشعب.

التداعيات الاجتماعية والانعكاسات الخطيرة على معيشة المواطنين

ويمتد الأثر المدمر للأزمة الاقتصادية وسيطرة الميليشيات المسلحة لضرب النسيج الاجتماعي العراقي في مقتل، حيث تشير الدراسات والتقارير الاجتماعية الميدانية الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة المتخصصة إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة بين الشباب إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيًا.

إن عجز الدولة عن توفير فرص العمل أو شبكات الحماية الاجتماعية الفعالة دفع بمئات الآلاف من الشباب نحو الهجرة غير الشرعية أو السقوط في براثن الجريمة المنظمة والمخدرات التي تغذيها وتدير شبكاتها ذات الميليشيات المستفيدة من الفوضى الأمنية. هذا الواقع القاتم يهدد بانفجار اجتماعي وشيك لا يمكن توقع مآلاته، ويضع مستقبل الأجيال القادمة على محك الانهيار الشامل.

وفي ظل التحديات المصيرية التي تواجه الدولة العراقية، بات واضحاً أن أي محاولة تجميلية أو إصلاحات جزئية لن تفلح في انتشال الاقتصاد من مستنقع العجز المالي والانهيار الوشيك.

إن التقارير الأممية والدولية تجمع على أن إنقاذ العراق يشترط بشكل حاسم فرض هيبة الدولة، ونزع سلاح الميليشيات خارج نطاق القانون، واستعادة السيطرة الكاملة على المنافذ الحدودية ومصادر الثروة الوطنية، وإن استمرار الخذلان الدولي والمحلي لحقوق الشعب العراقي في العيش الكريم والسيادة الوطنية لن يؤدي إلا لمزيد من التدهور والضياع، مما يحتم على الشرفاء وأصحاب القرار تحركًا تاريخيًا جريئًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.