ذات صلة

جمع

من يحيى السنوار إلى خليل الحية.. هل يتغير المشهد أم تتكرر الأخطاء؟

تحت سماء غزة التي أنهكتها آلة الحرب، وتحت وطأة...

من الانقلاب إلى تهديد السفن.. كيف يصنع الحوثيون أزمات اليمن؟

تعصف باليمن أزمة وجودية غير مسبوقة جراء السيطرة المسلحة...

إخوان تونس والرهان على الأزمات.. صناعة الفوضى بدلًا من السياسة

تحت سماء تونس الخضراء، دفعت الدولة والمواطن معًا فاتورة...

جرائم حرب بالزي المدرسي.. كيف يورط البرهان الجيش في تجنيد الأطفال؟

بينما يفترض أن تظل المقاعد الدراسية حاضنة لبناء مستقبل...

من الانقلاب إلى تهديد السفن.. كيف يصنع الحوثيون أزمات اليمن؟

تعصف باليمن أزمة وجودية غير مسبوقة جراء السيطرة المسلحة لجماعة الحوثي على مؤسسات الدولة بدعم مباشر من النظام الإيراني، حيث تجاوزت تداعيات هذا الانقلاب حدود المأساة الإنسانية الداخلية المتمثلة في الانهيار الاقتصادي والمجاعة وتجنيد الأطفال لتطال الأمن الإقليمي والدولي عبر استهداف خطوط الملاحة في البحر الأحمر.

ومع تراكم الأدلة والتقارير الدولية التي تدين انتهاكات الجماعة المستمرة للقوانين الدولية والإنسانية، يتأكد يومًا بعد يوم أن استمرار هذا النهج العبثي يضع مستقبل اليمن ومنطقه برمتها أمام مخاطر كارثية تتطلب موقفًا حاسمًا.

جذور الانقلاب وتدمير مؤسسات الدولة اليمنية

لم يكن استيلاء ميليشيا الحوثي على السلطة في أواخر عام 2014 مجرد تغيير سياسي عابر، بل كان زلزالاً هدم البنية الإستراتيجية لمؤسسات الدولة اليمنية وأعاد البلاد قروناً إلى الوراء.

وتشير تقارير صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن الانقلاب الحوثي ترافق مع حملة قمع ممنهجة شملت اعتقال الصحفيين، وإغلاق وسائل الإعلام المستقلة، وتصفية الخصوم السياسيين، والاستيلاء على المال العام.

لقد عمدت الجماعة المدعومة لوجستيًا وعسكريًا من الحرس الثوري الإيراني إلى تفكيك الجهاز الإداري للدولة واستبداله بعناصر عقائدية موالية لطهران؛ مما أسفر عن شلل تام في تقديم الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، وتحويل الموارد الوطنية لتمويل المجهود الحربي الخاص بالميليشيا على حساب قوت ملايين اليمنيين الجياع.

أرقام فلكية وتقارير أممية توثق الكارثة الإنسانية وتجويع الشعب

تُظهر لغة الأرقام الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة حجم المأساة الإنسانية التي صنعها الحوثيون في اليمن بدعم إيراني مباشر.

ففي تقرير دوري أصدره برنامج الأغذية العالمي ومنظمة يونيسف في منتصف عام 2025، تم توثيق وصول معدلات انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى مستويات قياسية تهدد حياة أكثر من 17 مليون مواطن يمني، وسط اتهامات موثقة لقيادة الحوثيين بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية وفرض ضرائب وإتاوات غير قانونية على قوافل الإغاثة في مناطق سيطرتهم.

وفي السياق ذاته، وثق تقرير صادر عن فريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة والمدعم ببيانات حقوقية دقيقة خلال أعوام 2024 و2025 و2026، قيام الميليشيا بفرض حصار مطبق على مدن رئيسية مثل تعز، وقصف الأحياء السكنية المكتظة بالمدنيين بالمدفعية الثقيلة وصواريخ الكاتيوشا؛ مما أدى إلى مقتل وإصابة آلاف المدنيين الأبرياء، أغلبهم من النساء والأطفال، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.

تجنيد الأطفال وعسكرة المجتمع: جرائم حرب موثقة

وتتطابق التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية دولية ومحلية، مثل: “هيومن رايتس ووتش” و”مواطنة لحقوق الإنسان”، على تورط الحوثيين في واحدة من أبشع الجرائم بحق الإنسانية وهي التجنيد الممنهج للأطفال.

كما تشير المعطيات الموثقة بتواريخ محددة إلى أن الميليشيا قامت منذ مطلع عام 2023 وحتى منتصف 2026 بتجنيد عشرات الآلاف من الأطفال دون سن الخامسة عشرة، ودفعهم نحو جبهات القتال الأمامية بعد غسل أدمغتهم بمناهج طائفية متطرفة مستوردة من إيران.

وفي واقعة موثقة في تقرير حقوقي لشهر نوفمبر 2025، داهمت عناصر حوثية مسلحة مخيمات للنازحين في محافظة مأرب وحجة وقامت باختطاف أطفال قاصرين ونقلهم معسكرات تدريب سرية، غير آبهة بنداءات الأمم المتحدة المتكررة التي تطالب بوقف هذه الانتهاكات التي ترقى إلى مرتبة جرائم الحرب، وتستوجب ملاحقة القادة الحوثيين أمام المحاكم الجنائية الدولية.

من الداخل إلى البحر الأحمر: كيف تصنع إيران وأدواتها أزمات الملاحة؟

ولم تكتفِ الميليشيا الحوثية بإشعال الحرائق داخل الجغرافيا اليمنية، بل امتدت أذرعها بتوجيهات إيرانية مباشرة لتهديد أمن التجارة العالمية وحرية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.

وتكشف تقارير استخباراتية وأممية نُشرت في أواخر عام 2024 وتستمر تداعياتها حتى عام 2026، عن استخدام الحوثيين لصواريخ بالستية وزوارق مفخخة وطائرات مسيرة إيرانية الصنع لاستهداف السفن التجارية وعابرين البحار.

هذه الهجمات الإرهابية المتكررة لم تؤدِ فقط إلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار السلع والشحن البحري بشكل جنوني، بل حولت السواحل اليمنية إلى منطقة توتر عالمي تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.

وتؤكد تقارير مجلس الأمن الدولي، أن طهران توفر الدعم التقني واللوجستي والمالي الكامل لهذه العمليات، مما يثبت أن الحوثيين ما هم إلا أداة تنفيذية لمشروع التخريب الإيراني في المنطقة.

وفي ظل استمرار التعنت الحوثي ورفض كافة مبادرات السلام الإقليمية والدولية، يتضح جليًا أن هذه الجماعة لا تؤمن بالحلول الدبلوماسية بل تسعى لتكريس أمر واقع بالقوة الغاشمة.

إن توثيق الجرائم الحوثية المستمرة من قبل الهيئات الأممية والحقوقية يجب أن يتجاوز مرحلة رصد الانتهاكات إلى اتخاذ خطوات رادعة وحاسمة، تشمل فرض عقوبات اقتصادية قاسية على قيادات الميليشيا وتجفيف منابع تمويلهم الإيرانية وإن غياب المساءلة الدولية الحقيقية لن يؤدي إلا لمزيد من التمادي في ارتكاب الفظائع؛ مما يحتم على العالم الحر الوقوف بحزم إلى جانب الشعب اليمني لدحر الانقلاب واستعادة دولته ومستقبله.