تتزايد المخاوف الدولية من تحول الأراضي السورية إلى ساحة خلفية مفتوحة للحسابات الإيرانية العابرة للحدود، حيث كشفت التطورات الأخيرة عن استراتيجية إيرانية عدائية تتجاوز حدود الجغرافيا السورية لتطال أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
إن الهجوم الأخير الذي شنه الحرس الثوري الإيراني على مقربة من قاعدة التنف في شرق سوريا، يمثل تحولاً نوعيًا في العقيدة العسكرية الإيرانية التي باتت لا تتردد في استخدام الأراضي السورية كمنصة لاستهداف القوات الدولية، متجاهلة سيادة الدولة السورية وتداعيات هذا العدوان على المدنيين.
انتهاكات الحرس الثوري: استباحة السيادة السورية
لم يعد التدخل الإيراني في سوريا مجرد دعم لنظام دمشق، بل تحول إلى احتلال نفوذي يفرض واقعًا عسكريًا على الأرض، حيث تؤكد التقارير الميدانية، أن طهران تستخدم الفصائل المسلحة التابعة لها لشن هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة انطلاقًا من العمق السوري.
هذا النهج ليس وليد اللحظة، بل يتماشى مع سياسة “التصعيد بالوكالة” التي توثقها العديد من مراكز الأبحاث الدولية، حيث يتم تدوير الأزمات الإقليمية وإسقاطها على الساحة السورية لإشغال المجتمع الدولي وتخفيف الضغط عن الداخل الإيراني المأزوم.
تقارير أممية وحقوقية: إيران كعامل عدم استقرار
تشير تقارير صادرة عن لجان التحقيق الأممية المستقلة المعنية بسوريا، وتحديدًا في فترات عام 2025 وما تلاها، إلى أن المليشيات المدعومة من طهران تورطت في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت التغيير الديموغرافي القسري واستخدام المناطق السكنية كدروع بشرية لنصب منصات صواريخ.
ووفقًا لبيانات “المرصد السوري لحقوق الإنسان” الموثقة في تقريره السنوي، فإن تواجد الحرس الثوري في المناطق الشرقية والجنوبية من سوريا تسبب في نزوح آلاف العائلات التي وجدت نفسها عالقة في “لعبة نار” لا ناقة لها فيها ولا جمل، مما يضع هذه التحركات في خانة جرائم الحرب التي تستوجب ملاحقة قانونية دولية بموجب ميثاق روما الأساسي.
تصريحات موثقة وتحولات في المشهد العسكري
تأتي هذه الهجمات في وقت حساس جدًا، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن استئناف حصار بحري على الموانئ الإيرانية ردًا على التهديدات المستمرة للملاحة الدولية، وهو ما يؤكد أن سلوك طهران في سوريا جزء من استراتيجية شاملة للضغط على القوى الدولية.
التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية على سوريا
إن استمرار طهران في استخدام سوريا كمنصة لإطلاق التهديدات الصاروخية ضد القواعد الدولية، يمنع أي فرصة حقيقية لإعادة الإعمار أو تحقيق الاستقرار المنشود.
لقد أدت هذه السياسات إلى فرض حزم جديدة من العقوبات الاقتصادية الدولية، والتي، وإن كانت موجهة لإيران، إلا أنها تؤثر بشكل غير مباشر على قدرة الاقتصاد السوري المتهالك أصلاً على التعافي، وهو ما يعكس عدم اكتراث النظام الإيراني بمصلحة الشعوب التي يدعي التحالف معها.
صمت دمشق وأزمة القرار السيادي
وعلى الرغم من التصريحات السابقة للرئيس السوري أحمد الشرع في مركز “تشاتام هاوس” حول ضرورة نأي سوريا بنفسها عن صراعات المنطقة، إلا أن الواقع الميداني يشي بضعف حيلة دمشق أمام التغلغل الإيراني.
وإن الفشل في كبح جماح مليشيات الحرس الثوري على الأراضي السورية يعني بالضرورة ضياع الهوية الوطنية للدولة السورية، وتحويلها إلى مجرد “ولاية عسكرية” تابعة لطهران، مما يفاقم من تعقيد الأزمة السورية ويزيد من احتمالات توسع دائرة الصراع لتشمل جغرافيا أكثر اتساعًا.
ويظهر بجلاء أن إيران لا ترى في سوريا إلا ورقة تفاوض في ملفاتها النووية والإقليمية، دون أي اعتبار للقوانين الدولية التي تحرم انتهاك سيادة الدول أو استخدام أراضيها لاستهداف أطراف ثالثة.
إن المجتمع الدولي مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتوثيق هذه الوقائع الموثقة بالبيانات الرسمية والتحركات العسكرية، واتخاذ موقف حازم يضع حدًا للعبث الإيراني الذي لا يهدد سوريا فحسب، بل يهدد الأمن والسلم الدوليين في منطقة هي الأكثر حيوية لاقتصاد العالم.
وتشير تقديرات “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” في تقريره الصادر في فبراير 2026، إلى أن إيران تحتفظ بقرابة 20 ألف مقاتل من مليشياتها المتعددة الجنسيات داخل سوريا، ما يعزز رؤيتها كمنصة “للدفاع المتقدم”.
وتؤكد تقارير “لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية” التابعة للأمم المتحدة في مارس 2026، أن التحركات الإيرانية قرب مناطق مثل التنف ليست عشوائية، بل تهدف لتعطيل خطوط التماس الاستراتيجية، حيث وثقت اللجنة استخدام المليشيات المدعومة إيرانيًا لمنشآت مدنية كدروع بشرية في 14 واقعة موثقة خلال الربع الأول من العام الجاري.
وفقًا لبيانات “المرصد السوري لحقوق الإنسان” في أبريل 2026، تسبب التوسع الإيراني في شرقي سوريا في تهجير قسري لأكثر من 4500 عائلة، بينما يشير تقرير “مركز تشاتام هاوس” في مارس 2026 إلى أن طهران استثمرت أكثر من 30 مليار دولار منذ 2011 في سوريا ليس فقط لدعم النظام، بل لإنشاء “ممر بري” يربط طهران بالبحر المتوسط.
هذه الوقائع تدعم تصريحات القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” التي اعتبرت أن “النشاط الإيراني في سوريا يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي”، مؤكدة أن إيران تتجاهل قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، خاصة القرار 2254 الذي يدعو لإنهاء أي نفوذ خارجي يزعزع استقرار الدولة السورية.

