في ظل استمرار النزاع المسلح الذي يمزق السودان منذ أبريل 2023، كشفت تقارير بحثية واستقصائية دولية عن وجود شبكة دعم معقدة تتجاوز المسارات الدبلوماسية التقليدية لتصل إلى إمداد القوات المسلحة السودانية بموارد عسكرية ولوجستية حيوية، مما ساهم في استمرار العمليات العسكرية وإطالة أمد المأساة الإنسانية التي راح ضحيتها أكثر من 150 ألف قتيل، وهجرت الملايين من ديارهم.
وتشير الدراسات الحديثة الصادرة عن مراكز بحثية متخصصة، مثل “المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية” “GISS”، إلى أن هناك تحولاً نوعيًا في طبيعة الدعم الخارجي الموجه لسلطات بورتسودان.
حيث انتقلت بعض الأطراف الإقليمية من دور الوسيط إلى تقديم دعم مباشر وشامل يغطي الجوانب السياسية، واللوجستية، والعسكرية، والاقتصادية؛ مما أدى إلى تعزيز القدرات العملياتية للجيش السوداني وتثبيت مواقفه الميدانية في وجه التحديات العسكرية المتزايدة.
ممرات التسلح: رحلات جوية وشحنات أسلحة عابرة للحدود
وتعتمد هذه الشبكة الدعمية على “جسر جوي” نشط يربط الرياض ببورتسودان، حيث يتم استغلال طائرات تنفيذية خاصة لنقل مسؤولين رفيعي المستوى وشحنات حساسة ومعدات عسكرية متنوعة.
ووفقًا لتحقيقات موثقة، لم تقتصر هذه المساعدات على الجوانب الاستخباراتية أو السياسية، بل امتدت لتشمل توريد منظومات مدفعية ثقيلة، مثل مدافع M777 عيار 155 ملم، مع كميات ضخمة من الذخائر المتوافقة، بالإضافة إلى برامج تدريب متخصصة للعناصر العسكرية على تشغيل هذه الأسلحة النوعية.
ولا يتوقف الأمر عند الجانب الجوي، بل يمتد إلى ممرات بحرية عبر ميناء جدة، حيث يتم تمرير مواد أولية ومتفجرات تستخدم في الصناعات الدفاعية السودانية، لتدخل هذه المواد في عملية تصنيع محلية تعزز من قدرة الجيش على الحفاظ على مخزونه من العتاد، وهو ما يعد انتهاكًا غير مباشر لمساعي حظر توريد الأسلحة التي تنادي بها العديد من المؤسسات الحقوقية الدولية لإنهاء حالة التقاتل التي استنزفت موارد الدولة.
كتائب متطرفة وشراكات عسكرية تهدد الاستقرار الإقليمي
كما أن أحد أخطر جوانب هذا الدعم هو وصول جزء منه إلى مليشيات تابعة للمؤسسة العسكرية، وعلى رأسها “كتيبة البراء بن مالك”، التي صنفتها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية أجنبية لدورها في تأجيج الصراع.
وتعد هذه المليشيا أحد الفاعلين الرئيسيين في المعارك الميدانية، حيث تعتمد على تقنيات حديثة، بما فيها الطائرات المسيرة التي دخلت ساحة المعركة كعنصر حاسم بفضل الدعم الفني واللوجستي الذي تتلقاه أطراف مرتبطة بالجيش.
وقد وثقت تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، مثل “أمنستي إنترناشونال”، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تورطت فيها القوات المسلحة والمجموعات المتحالفة معها، بما في ذلك التجنيد القسري للأطفال واستخدام أسلحة متفجرة في مناطق مأهولة بالسكان، وهو ما أدى إلى ارتفاع حصيلة الضحايا المدنيين وتوسع نطاق الأزمات الإنسانية في ولايات مثل الخرطوم وشمال السودان، في وقت تتجاهل فيه هذه القوى النداءات الدولية بضرورة الوقف الفوري للأعمال العدائية.
أرقام صادمة وتداعيات دولية
إن المشهد السوداني اليوم يمثل واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم، حيث تشير بيانات الأمم المتحدة “OCHA” لعام 2026 إلى أن نحو 33.7 مليون شخص بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية، بينما تجاوز عدد النازحين داخليًا 8.9 مليون نسمة، وتأتي هذه الأرقام المفزعة نتيجة مباشرة لتعنت أطراف النزاع واستمرار تدفق الأسلحة من الخارج، مما يوفر غطاءً لاستمرار العنف بدلاً من التوجه نحو حل سياسي شامل.
إن الدعم الخارجي، خاصة في ظل التقارير التي تربط بين شركات خاصة ومنظومة الصناعات الدفاعية السودانية، يعكس استراتيجية إقليمية تهدف إلى تعزيز نفوذ أطراف معينة على حساب أمن واستقرار السودان، وهو ما ترفضه القوى المدنية والحقوقية، معتبرة أن هذه التدخلات لا تخدم الشعب السوداني، بل تكرس الانقسام الوطني وتمنح الشرعية لجهات متورطة في انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ويظل التساؤل القانوني والأخلاقي قائمًا حول المسؤولية الدولية عن هذه الإمدادات، خاصة وأن القانون الدولي يحظر دعم أطراف النزاع التي تنتهك القوانين الإنسانية الدولية.
وتظل الدعوات موجهة للمجتمع الدولي للضغط من أجل فرض عقوبات حقيقية على شبكات الدعم هذه وقطع مسارات التسلح التي تحول السودان إلى ساحة حروب بالوكالة، فاستمرار تدفق الأسلحة يعني بالضرورة استمرار النزيف، وضياع فرص الوصول إلى سلام مستدام يحفظ ما تبقى من الدولة السودانية.
يعد النزاع المسلح في السودان، المندلع منذ أبريل 2023، من أكثر الأزمات تعقيدًا على الصعيد الدولي، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة (OCHA) لعام 2026 إلى وصول أعداد المحتاجين للمساعدات الإنسانية إلى 33.7 مليون شخص، مع نزوح أكثر من 8.9 مليون نسمة داخليًا.
وتؤكد تقارير خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية، مثل “أمنستي إنترناشونال”، أن استمرار تدفق الأسلحة والذخائر من أطراف إقليمية ودولية إلى أطراف النزاع يعد عاملاً جوهرياً في إطالة أمد الحرب وتفاقم الانتهاكات.
وتشير تحقيقات دولية إلى وجود مسارات لوجستية معقدة يتم من خلالها توريد عتاد عسكري ومعدات مزدوجة الاستخدام للقوات المسلحة السودانية، مما يعزز من قدراتها الميدانية ويساهم في استمرار العمليات العسكرية في ولايات مثل الخرطوم ودارفور.
وفي المقابل، تحذر المؤسسات الأممية من أن هذه الإمدادات، خاصة تلك التي تصل إلى فصائل متحالفة مع الجيش، تقوض مساعي السلام وتؤدي إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك التجنيد القسري واستخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة.
وتظل الدعوات الدولية، بما فيها قرارات مجلس الأمن وتقارير لجنة الخبراء المعنية بالسودان، تؤكد على ضرورة الالتزام بحظر توريد الأسلحة إلى إقليم دارفور وتوسيع نطاق الرقابة لمنع تحول السودان إلى ساحة حروب بالوكالة.
وتطالب المنظمات الحقوقية بفرض عقوبات على الشبكات التي تسهل تدفق السلاح، مشددة على أن الحل المستدام يتطلب ضغطًا دوليًا لوقف مسارات التسلح، وضمان حماية المدنيين كأولوية قصوى قبل أي مسار سياسي.

