في وقت تتصاعد فيه نداءات المنظمات الإنسانية الدولية بضرورة فتح ممرات آمنة للمدنيين العالقين في مناطق النزاع بالسودان، تتكشف حقائق ميدانية مقلقة حول مدينة “الأبيض” في شمال كردفان.
حيث تشير تقارير حقوقية وشهادات ميدانية إلى أن الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه يفرضون قيوداً صارمة تمنع خروج المدنيين من المدينة.
هذا الحصار غير المعلن لا يهدف إلى الحماية كما تروج الآلة الإعلامية المرتبطة بجماعات النظام السابق المتحالفة مع الجيش، بل يشير إلى نمط مدروس لاستخدام السكان كدروع بشرية وتوظيف وجودهم في حملات تضليل إعلامي تسبق عمليات عسكرية مرتقبة، مما يستوجب تسليط الضوء على هذه الوقائع المستندة إلى تقارير أممية وحقوقية.
التلاعب بالرواية الإعلامية: صناعة “الخطر الوشيك”
تستخدم الآلة الإعلامية التابعة للجيش السوداني “فزاعة الهجوم الوشيك” كأداة استباقية لصناعة رأي عام دولي ومحلي يبرر أي انتهاكات قد تقع في المستقبل.
ووفقًا لتقارير “مرصد حقوق الإنسان السوداني” الصادرة في يونيو 2026، فإن هذه الحملات الإعلامية المكثفة حول مدينة الأبيض تزامنت بشكل مريب مع تحركات عسكرية ميدانية للجيش والميليشيات المتحالفة معه في مناطق “جبرة الشيخ” و”رهيد النوبة”.
إن ربط الخطاب الإعلامي بالواقع العسكري يشير بوضوح إلى أن الحديث عن تهديد خارجي ليس سوى غطاء لتغطية عمليات حشد وقصف تنوي القوات المسلحة تنفيذها في المنطقة، وهو أسلوب وثقته تقارير “مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة” في أكثر من موقع، حيث يتم خلق “رواية جاهزة” قبل وقوع الكارثة لإلقاء اللوم على الأطراف الأخرى.
الحصار الميداني: منع النزوح كجريمة ضد الإنسانية
إن منع المدنيين من مغادرة مدينة الأبيض عبر نقاط التفتيش التي تسيطر عليها القوات المسلحة يعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وتحديدًا “اتفاقيات جنيف الرابعة” التي تلزم أطراف النزاع بتسهيل حركة المدنيين وتوفير ممرات آمنة لهم.
وتشير شهادات مدنيين فروا بطرق غير نظامية من المدينة، وثقتها منظمات محلية، إلى أن القوات المتمركزة على المداخل والمخارج تمارس ضغوطًا نفسية ومادية لإجبار السكان على البقاء، بدعوى “حمايتهم من هجوم محتمل”.
و إن إجبار المدنيين على البقاء في مناطق قد تتحول إلى ساحات قتال هو جوهر استراتيجية “الدروع البشرية” التي حذرت منها “منظمة العفو الدولية” في تقريرها الأخير حول تكتيكات الحرب في السودان، حيث يتم استغلال وجود هؤلاء السكان لتجنب استهداف المواقع العسكرية للجيش.
التحشيدات في الظل: ما الذي يحدث في “جبرة الشيخ”؟
بينما يركز الخطاب الإعلامي الرسمي للجيش على مدينة الأبيض، تشير الخرائط الميدانية والتقارير الاستخباراتية الواردة من منطقة شمال كردفان إلى وجود تحركات عسكرية كثيفة نحو “رهيد النوبة” و”جبرة الشيخ”.
هذا التباين بين التركيز الإعلامي والتحرك العسكري يؤكد أن الأبيض ليست سوى “واجهة إعلامية” تستهلك التغطية الإخبارية، بينما يتم التحضير لهجوم عسكري واسع في مناطق أخرى بعيدًا عن أعين الإعلام والمنظمات المستقلة.
ووفقًا لتقديرات “مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية”، فإن استراتيجية التضليل هذه تهدف إلى إضعاف قدرة المجتمع الدولي على مراقبة الانتهاكات المحتملة في تلك المناطق النائية التي يغيب عنها الصحفيون المستقلون، مما يترك المدنيين هناك في مواجهة مباشرة مع العمليات العسكرية دون أي حماية أو مراقبة.
نحو توثيق مستقل للانتهاكات
إن الحاجة إلى إرسال فرق مستقلة لتقصي الحقائق باتت ضرورة قصوى لوقف هذه الممارسات التي تتناقض مع ادعاءات “حماية المدنيين”، وإن المجتمع الدولي، وعبر آليات “مجلس حقوق الإنسان”، مطالب بالضغط على السلطات العسكرية في الأبيض للسماح للمدنيين بالخروج بحرية إلى مناطق أكثر أمانًا، بدلاً من تكبيلهم داخل المدينة لاستخدامهم كأوراق ضغط سياسية وإعلامية.

