لطالما اعتبرت الأنظمة الديمقراطية الغربية، وفي مقدمتها ألمانيا، ملاذًا آمنًا للحريات، إلا أن هذا الانفتاح تحول في السنوات الأخيرة إلى “ثغرة” استغلتها جماعة الإخوان وتنظيماتها الإقليمية، ومن أبرزها حركة النهضة التونسية، لتنفيذ ما وصفه المفكر الإخواني يوسف القرضاوي بـ”غزو أوروبا دون سيف ودون قتال”.
إن هذا المصطلح الذي يبدو للوهلة الأولى مجرد فكرة نظرية، تحول اليوم إلى واقع ملموس ترصده أجهزة الاستخبارات الألمانية عبر ما يعرف بـ”أسلمة القاعدة”، وهي استراتيجية تعتمد على التغلغل الهادئ والموجه داخل مفاصل المجتمع الألماني، بدءًا من الجمعيات الثقافية ووصولًا إلى الهيئات السياسية والتربوية، بهدف تغيير هوية هذه المجتمعات من الداخل تدريجيًا.
التغلغل في المؤسسات: حينما يصبح “الاندماج” قناعًا للأيديولوجيا
تعتمد حركة النهضة، في محاكاتها التامة لنموذج جماعة الإخوان المسلمين، على دفع كوادر مدربة بعناية فائقة للاندماج في المجتمع الألماني. هؤلاء الأفراد لا يظهرون كأعضاء في تنظيم سياسي متطرف، بل يرتدون أقنعة “الممثلين عن الجالية المسلمة” أو “النشطاء في قضايا الاندماج والتربية السياسية”.
هذا التكتيك الخبيث أوقع العديد من المؤسسات الحكومية والبلديات الألمانية في فخ “الشراكة”، حيث يُنظر إليهم كطرف فاعل في حل مشكلات المجتمع، بينما يعملون في الخفاء على ترويج الأفكار الشمولية.
إن خطورة هذا النهج تكمن في كونه “تغلغلًا عابرًا للأجيال”، حيث يتم استدراج الشباب والنشء من خلال دروس تعليمية في المساجد ومراكز الشباب، مما يضمن للجماعة تدفقاً مستمرًا للأتباع المخلصين للأيديولوجيا الأم، بعيدًا عن أعين الرقابة المباشرة في مراحله الأولى.
خريطة النفوذ: المساجد كمنصات ارتكاز تنظيمية
يشير تقرير هيئة حماية الدستور في ولاية ساكسونيا السفلى إلى أن المراكز والجمعيات ليست سوى “نقاط ارتكاز” تخدم الأجندة السياسية. على سبيل المثال،
تمارس هذه التنظيمات نفوذها بشكل مباشر في مساجد مدن برونزويك وغوتنغن وهانوفر وأوسنابروك وفولفسبورغ، حيث يتم استغلال الدروس الدينية لنشر محتوى أيديولوجي يتناقض مع قيم الدستور الألماني.
واللافت هنا هو التنسيق الوثيق بين قيادات الجالية المسلمة الألمانية وبين عناصر من حركة النهضة التونسية الذين اتخذوا من هذه المدن مقراً لأنشطتهم.
هذا التحالف ليس مصادفة، بل هو انعكاس لاستراتيجية “تلاشي الخطوط الفاصلة” بين تيارات الإسلام السياسي، حيث توحد هذه الجماعات جهودها ومواردها المالية والبشرية لتشكيل لوبي ضاغط يسعى لفرض رؤيتهم المتشددة على الجالية المسلمة في ألمانيا، مما يشكل تحديًا مباشرًا للأمن القومي الألماني.
الجرائم السياسية والاجتماعية: ما وراء شعارات الاعتدال
في تونس، ارتبط اسم حركة النهضة بسلسلة من الأزمات التي أدت إلى تدهور الاستقرار الوطني، بدءًا من التغلغل في مؤسسات الدولة وضرب استقلالية القضاء، وصولًا إلى تعيينات الولاءات التي أفرغت الإدارة من كفاءاتها.
وعندما نربط هذه الممارسات بما يحدث في ألمانيا، نجد أن النهضة تقوم باستنساخ “نموذج الإخوان” في استغلال أموال التبرعات العامة والمنح الموجهة للعمل الاجتماعي لتمويل أجندات حزبية ضيقة.
إن الجريمة الكبرى التي ترتكبها هذه التنظيمات هي “خداع المجتمع السياسي”، حيث يتم استنزاف الموارد المخصصة للاندماج لخدمة أهداف معادية للقيم الديمقراطية. وكما حذر وزير داخلية براندنبورغ، يان ريدمان، فإن هذه الجماعات تستغل “الحريات” التي يوفرها القانون الألماني للقضاء على هذه الحريات ذاتها، وهو ما يفسر التوجس الأمني الألماني المتزايد من التمدد غير المبرر لهؤلاء الفاعلين في المؤسسات المدنية.
إن التحذيرات الصادرة عن هيئة حماية الدستور تعكس تحولاً جذرياً في نظرة برلين لهذه التيارات. لم يعد الأمر مجرد رقابة روتينية، بل تحول إلى ضرورة أمنية للتحصين المجتمعي.
من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة حملات تدقيق واسعة على الجمعيات المرتبطة بالإخوان والنهضة، مع اتجاه لقطع التمويلات العامة عن أي كيان يثبت تورطه في الترويج لأيديولوجيات شمولية.
إن استشراف المستقبل يشير إلى أن ألمانيا بدأت تدرك أن “التغلغل الناعم” ليس مجرد نشاط فكري، بل هو مشروع سياسي يهدف إلى بناء “دولة موازية” داخل النسيج الألماني وسيكون على البلديات والأحزاب السياسية اتخاذ خطوات حازمة لإنهاء سياسة السذاجة المفرطة، واستبدالها بنهج حازم يعتمد على الشفافية والمحاسبة، لضمان حماية التماسك الاجتماعي من محاولات الاختراق الممنهج التي تقودها التنظيمات العابرة للحدود.

