يجد المدنيون الفلسطينيون في قطاع غزة أنفسهم عالقين في مشهد مأساوي يزداد قسوة يومًا بعد يوم، حيث تحاصرهم النزاعات العسكرية من جهة، وتطبق عليهم قبضة سلطة “الأمر الواقع” المتمثلة في حركة حماس من جهة أخرى.
لم يعد الصراع محصورًا في مواجهة القوى الخارجية، بل امتد ليتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين الذين أصبحوا ضحايا لآلة قمعية تديرها الحركة، مستخدمة ما يسميه المحققون الدوليون “العنف البنيوي” لإحكام قبضتها على المجتمع.
إن هذه الممارسات التي وثقتها لجان تحقيق أممية مستقلة، تكشف عن نمط ممنهج من انتهاكات حقوق الإنسان، حيث باتت المعاناة الإنسانية أداة للسيطرة والترهيب، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة الأهداف التي تخدمها هذه السياسات القمعية في وقت أحوج ما يكون فيه المواطن الفلسطيني للأمان والحماية.
الانتهاكات الممنهجة: سجل حماس المظلم في التعذيب والإعدامات
تفيد التقارير الدولية الصادرة عن لجان أممية، بأن عناصر مرتبطة بحركة حماس متورطة في سلسلة من الجرائم الخطيرة التي ترقى إلى كونها جرائم حرب، بما في ذلك القتل العمد والتعذيب الجسدي والنفسي.
لم تكن هذه الحوادث فردية أو عشوائية، بل هي نتاج سياسة قائمة على الترهيب تهدف إلى إخضاع أي صوت معارض أو مشكك في نهج الجماعة، حيث تم رصد مئات الحالات من الإعدامات الميدانية والعنف الجسدي الشديد التي استهدفت مواطنين عاديين لا ذنب لهم سوى أنهم وقعوا تحت طائلة هذه السلطة القمعية.
إن هذه الجرائم التي وثقتها تقارير 2024-2025 تعكس تحولاً جذريًا في طبيعة التعامل مع المدنيين، حيث استخدمت العناصر التابعة للحركة أدوات البطش لفرض سيطرة مطلقة على مفاصل الحياة في غزة.
وقد شملت هذه الانتهاكات حالات تعذيب موثقة داخل مرافق حيوية مثل “مجمّع ناصر الطبّي”، الذي تحول بقدرة قادرة من ملاذ إنساني للمرضى والمصابين إلى مسرح للممارسات العنيفة ضد المواطنين، وهو ما يمثل انتهاكًا صارخًا لكافة المواثيق والأعراف الدولية التي تضمن حرمة المؤسسات الطبية وسلامة المدنيين، مما دفع المجتمع الدولي للمطالبة بوقف فوري لهذه التجاوزات الصارخة.
استغلال المرافق المدنية: تحويل المستشفيات إلى ثكنات للترهيب
من أبرز أوجه “العنف البنيوي” الذي تمارسه حماس هو استغلالها الممنهج للمرافق المدنية في غزة لأغراض لا تتوافق إطلاقاً مع دورها الإنساني والمدني، حيث أشار المحققون إلى استخدام المستشفيات كمقار لاحتجاز وتعذيب الفلسطينيين.
هذا السلوك يضع المدنيين في حالة دائمة من الخوف والترقب، إذ لم يعد المريض أو النازح يشعر بالأمان داخل المستشفيات التي يفترض بها أن تكون واحة للسلامة، بل أصبحت هذه المرافق جزءًا من آلة الترهيب التي تديرها الحركة لفرض إرادتها على المجتمع.
هذه الاستراتيجية القائمة على التماهي بين المنشآت المدنية والأهداف العسكرية أو الأمنية للحركة تجعل من الصعب على المدنيين التمييز بين حمايتهم ووقوعهم تحت طائلة التعذيب، وهو ما يعتبره المراقبون الدوليون استغلالاً بشعًا لحالة الحرب والدمار لتكريس السيطرة الأمنية.
إن دعوة اللجنة الأممية للحركة بالامتناع عن استخدام هذه المرافق في أغراض غير إنسانية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة رصد دقيق لحجم التجاوزات التي أدت إلى تحويل المرافق الصحية إلى أماكن للترهيب والتعذيب، مما يتطلب وقفة دولية جادة لوضع حد لهذه الممارسات التي تزيد من معاناة الشعب الفلسطيني في غزة.
الترهيب النفسي والجسدي: أداة حماس لتركيع الشعب
لا يقتصر القمع على العنف الجسدي المباشر، بل يتعداه إلى الترهيب النفسي الممنهج الذي يهدف إلى تحطيم إرادة المواطنين الفلسطينيين، حيث تفرض الحركة نمطًا من الرقابة والترويع الذي يطال كل جوانب الحياة.
إن عمليات العقاب خارج نطاق القضاء، والتي تشمل التهديد المباشر، والاعتقال التعسفي، والتعذيب الجنسي والنفسي، باتت أدوات يومية تستخدمها العناصر التابعة للحركة لضمان الطاعة العمياء، مما خلق حالة من الانقسام المجتمعي والارتباك النفسي لدى سكان القطاع.
إن هذه الممارسات التي وثقتها اللجنة المكونة من ثلاثة أعضاء بقرار من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تؤكد أن حماس تعمل في بيئة تعيد إنتاج المعاناة للمدنيين، بدلاً من تخفيفها أو العمل على تحسين ظروفهم في ظل الأوضاع الصعبة التي تعيشها المنطقة وإن التوثيق الدقيق لـ 249 حالة إعدام وعنف جسدي شديد في فترة زمنية قصيرة يعطي مؤشرًا خطيرًا على تفشي هذه الظواهر، ويضع الحركة أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية جسيمة تجاه أبناء شعبها، الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة العنف البنيوي وسندان الفظائع الواسعة التي تفرضها ظروف الحكم القمعي.
نحو استعادة كرامة الفلسطينيين: ضرورة المحاسبة
إن استمرار حكم الترهيب في غزة يمثل عائقًا رئيسًا أمام أي أمل في الاستقرار أو تحقيق طموحات الفلسطينيين في حياة حرة وكريمة، حيث أثبتت التجربة أن السياسات القائمة على البطش لا تنتج إلا مزيدًا من التمزق والدمار و إن توصيات اللجنة الأممية بوقف جميع عمليات العقاب خارج نطاق القضاء، والامتناع عن التعذيب والعنف، ليست مجرد كلمات على ورق، بل هي صرخة لإنقاذ ما تبقى من قيم الإنسانية في غزة، وإعادة الاعتبار للمدنيين الذين سُلب حقهم في العيش بأمن وسلام.
إن الشعب الفلسطيني في غزة لا يحتاج إلى سلطة تستخدم “العنف البنيوي” كوسيلة للحكم، بل يحتاج إلى بيئة تحترم كرامته وتصون حقوقه الأساسية بعيدًا عن أهواء الجماعات ومصالحها الضيقة، وإن المحاسبة على جرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية الموثقة هي المسار الوحيد لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، وتحقيق عدالة منصفة تضع حداً لعهد الترهيب الذي ألقى بظلاله السوداء على حياة الآلاف، فالحق في الحياة والكرامة هو حق لا يمكن تجاوزه، والوقوف في وجه آلة القمع هو واجب إنساني وأخلاقي تفرضه دماء الضحايا وتضحيات شعب صامد لم يستحق يومًا أن يكون رهينة لسياسات التخويف والتعذيب.

