ذات صلة

جمع

إخوان السودان على حافة الهاوية: صراعات الأجنحة وتآكل الشرعية التنظيمية

يعيش حزب المؤتمر الوطني "المحلول" في السودان حالة من...

أجندات مشبوهة.. كيف تعمل جماعة الإخوان على تفكيك منظومة القيم البريطانية من الداخل؟

تشهد المملكة المتحدة في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في...

سياسات العزلة.. كيف قاد النظام الإيراني البلاد إلى هذا الانحدار الأمني؟

يعيش النظام الإيراني اليوم واحدة من أكثر المراحل حرجًا...

أسعار الذهب اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 في مصر والدول العربية

يواصل الذهب الحفاظ على مكانته كأحد أهم أدوات الادخار...

استقرار أسعار العملات الأجنبية والعربية أمام الجنيه المصري اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026

حافظت أسعار العملات الأجنبية والعربية على مستوياتها المستقرة أمام...

أجندات مشبوهة.. كيف تعمل جماعة الإخوان على تفكيك منظومة القيم البريطانية من الداخل؟

تشهد المملكة المتحدة في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في القلق العام إزاء تنامي نفوذ جماعة الإخوان والتنظيمات المرتبطة بها، حيث بدأت مراكز الأبحاث والسياسيون يطرحون تساؤلات وجودية حول كيفية تحول لندن من عاصمة ديمقراطية عريقة إلى ما يوصف بـ”بيئة خصبة” لتيارات متشددة لا تؤمن بقيم الاندماج أو التعددية.

إن الخطر الذي تشكله هذه الجماعة لا يكمن فقط في التهديدات الأمنية التقليدية، بل يتجاوز ذلك ليصل إلى “تفكيك منظومة القيم البريطانية” عبر آليات استقطاب مدروسة تهدف إلى عزل الجاليات عن محيطها الاجتماعي وزرع أجندات لا تتوافق مع النسيج المجتمعي للمملكة.

على مدى عقود، استفادت جماعة الإخوان من مناخ الحريات العامة والقوانين الليبرالية في بريطانيا لبناء شبكة معقدة من المؤسسات التي تعمل تحت مسميات براقة؛ كالعمل الخيري، والجمعيات الدعوية، وروابط الجاليات، وهي واجهات مصممة بعناية لإخفاء حقيقة التوجهات الأيديولوجية الراديكالية التي تسعى لفرض رؤية متطرفة داخل الأوساط المجتمعية.

هذا التغلغل المؤسسي لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى “تطبيع التطرف” داخل المؤسسات العامة والتعليمية، مما أدى إلى خلق حالة من الشك والريبة داخل الفصول الدراسية والمجتمعات المحلية، وهو ما يضع الدولة البريطانية أمام تحدٍ أمني وفكري غير مسبوق.

تكتيكات “الامتثال المموه” وتحديات الأمن الوطني البريطاني

تعتمد جماعة الإخوان في تحركاتها داخل بريطانيا على ما يسميه الخبراء الأمنيون بـ”الامتثال المموه”، وهي سياسة تهدف إلى إظهار التعاون ظاهريًا مع القوانين المحلية ومؤسسات الدولة، بينما يتم في العمق العمل على نشر خطاب متشدد يعزز من الانغلاق الفكري ويرفض مبادئ المواطنة المتساوية.

لقد أظهرت التقارير الاستخباراتية والحوادث الإرهابية الأخيرة أن المنخرطين في أنشطة الجماعة يتقنون فن “التنكر الأيديولوجي”، مما جعل من الصعب على برامج الوقاية التقليدية مثل “بريفنت” ملاحقتهم أو الحد من تأثيرهم الفكري، خاصة مع تزايد قدرة هذه التنظيمات على الانتقال إلى الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي لضمان إعادة إنتاج خطابهم بعيدًا عن الرقابة المباشرة.

إن أخطر ما تواجهه بريطانيا اليوم هو “هندسة أيديولوجية” تتكيف بمرونة مع المتغيرات السياسية، حيث استطاعت الجماعة بناء جسور نفوذ داخل مؤسسات صناعة القرار، مستغلةً حالة التردد الحكومي الناجمة عن المخاوف من اتهامات “الإسلاموفوبيا”.

هذا التردد كان بمثابة الضوء الأخضر الذي أتاح لهذه التنظيمات توسيع دائرة نشاطها، لتنتقل من مجرد مجموعات هامشية إلى كيانات ذات ثقل مجتمعي تملك القدرة على التأثير في توجهات بعض الجاليات المسلمة، وتوجيههم نحو تبني أجندات سياسية تتناقض مع الاستقرار الوطني البريطاني، مما يهدد بمزيد من الاستقطاب داخل المجتمع.

شبكات الاستقطاب الرقمي وهدم السلم المجتمعي من الداخل

لم تعد أدوات الإخوان في التفكيك المجتمعي تقتصر على المساجد أو التجمعات المغلقة، بل انتقلت إلى ميادين أكثر تعقيدًا وخطورة عبر المنصات الرقمية والألعاب الإلكترونية والمنتديات المشفرة التي تروج للعدمية، وكراهية الآخر، والتحريض على العنف المبطن.

تستهدف هذه الآليات الشباب من الجيل الثاني والثالث للمهاجرين، حيث يتم استغلال أزمات الهوية والبحث عن الانتماء لغرس أفكار متطرفة تُقدَّم في قالب عصري ومغرٍ، مما يجعل من الصعب على الأجهزة الأمنية رصد التهديد في مراحله الأولى قبل تحوله إلى سلوك عدائي أو إرهابي يهدد أمن البلاد.

إن المطالبات الشعبية المتصاعدة في بريطانيا اليوم بضرورة تشديد الرقابة على الجمعيات المرتبطة بالتنظيم، ومنع المؤيدين للأفكار المتطرفة من الوصول إلى المناصب العامة، تعكس وعيًا متزايدًا بخطورة الموقف؛ فالديمقراطية البريطانية، حسبما يرى مراقبون، يجب أن تمتلك “أسنانًا” للدفاع عن نفسها ضد القوى التي تستغل حرياتها لتقويضها.

إن استمرار تجاهل التوسع الأفقي لهذه الشبكات يعني المزيد من “تفكيك القيم”، والمزيد من العزلة المجتمعية، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لسياسات التعامل مع تنظيم الإخوان ككيان أيديولوجي يسعى لفرض رؤيته على حساب الهوية الوطنية والتماسك الوطني البريطاني.

مستقبل القيم البريطانية في ظل تصاعد الأجندات الراديكالية

وتجد بريطانيا نفسها مطالبة بحسم موقفها التاريخي من جماعة الإخوان؛ فالتاريخ أثبت أن التسامح مع التنظيمات التي تتبنى أجندات مناهضة للقيم الديمقراطية يؤدي حتمًا إلى تآكل الثقة المجتمعية وإضعاف الجبهة الداخلية.

إن المعركة الحقيقية ليست مع دين أو عرق، بل مع تنظيم دولي يمتلك بنية هيكلية صلبة تستهدف اختراق المجتمعات الديمقراطية من الداخل، وهو ما يتطلب تكاتفًا بين الجهات التشريعية، والمؤسسات الأمنية، والمجتمع المدني للوقوف ضد هذه الأجندات المشبوهة، وضمان أن تظل بريطانيا قلعة للقيم الإنسانية العالمية، وليس منصة لنشر الفكر المتطرف وإعادة إنتاجه.

إن حماية القيم البريطانية تبدأ بالشفافية في كشف التمويلات المشبوهة لبعض الكيانات، وتفعيل القوانين التي تحظر الترويج للكراهية والتطرف، بالإضافة إلى دعم برامج الاندماج الحقيقي التي تعزز الولاء للوطن لا للجماعة أو التنظيم العابر للحدود. وإن الخطوات التي قد تتخذها لندن في المستقبل القريب لن تقتصر أهميتها على الأمن الداخلي البريطاني فحسب، بل ستكون رسالة واضحة لكل من يحاول استغلال الديمقراطية لتقويضها، بأن بريطانيا عازمة على حماية نسيجها المجتمعي والحفاظ على هويتها من التآكل بفعل الأجندات الخفية.