يعيش النظام الإيراني اليوم واحدة من أكثر المراحل حرجًا في تاريخه السياسي والعسكري، حيث تتوالى المؤشرات على وجود تصدعات عميقة في بنيته الدفاعية والأمنية التي طالما تغنى بها لعقود، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول الجدوى الاستراتيجية للسياسات العدائية التي انتهجتها طهران تجاه محيطها الإقليمي والمجتمع الدولي بأسره، والتي أدت في نهاية المطاف إلى حالة من العزلة الخانقة التي تظهر آثارها بوضوح في تراجع القدرات التقنية والعسكرية للبلاد.
لم يكن هذا الانحدار وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من القرارات السياسية التي وضعت المصالح الأيديولوجية للتنظيم الحاكم فوق مصالح الدولة وشعبها، إذ أدى الإصرار على ممارسة سياسات توسعية ودعم جماعات مسلحة خارج الحدود إلى استنزاف هائل للموارد الاقتصادية والبشرية التي كان من المفترض توجيهها نحو بناء بنية تحتية قوية وتحصين الجبهة الداخلية، ليجد النظام نفسه في نهاية المطاف عاجزًا عن حماية مقدراته الاستراتيجية.
وهم القوة: لماذا ترهلت المنظومات الدفاعية الإيرانية؟
لطالما روجت الدعاية الرسمية في طهران لامتلاكها منظومات دفاعية “لا تُقهر”، إلا أن الأحداث الأخيرة كشفت عن فجوات تقنية وعملياتية كبيرة، حيث تبين أن تلك الترسانة التي استُنزفت فيها مليارات الدولارات لم تكن سوى واجهة براقة تفتقر إلى التكامل والفاعلية، مما يعكس سوء الإدارة الاستراتيجية وغياب الرؤية الواقعية التي تحكم مفاصل القرار العسكري داخل النظام الذي غرق في أوهام العظمة بعيدًا عن التطور التكنولوجي العالمي.
إن فشل هذه المنظومات في التصدي للتهديدات أو حتى توفير الحد الأدنى من الحماية للمواقع الحيوية يؤكد أن النظام الإيراني قد وقع ضحية لسياسات التضليل الذاتي، حيث تم استبدال العلم والتطوير المهني بالشعارات الحماسية التي لا تصمد أمام الاختبارات الواقعية، مما أدى إلى حالة من الضعف الأمني الذي بات يهدد سيادة البلاد ويجعلها عرضة للعديد من الأزمات التي يصعب احتواؤها في ظل غياب الحلفاء وفقدان الثقة الإقليمية.
السياسات العدائية كوقود لانهيار الأمن الوطني
إن تورط النظام في ممارسات عدائية عابرة للحدود لم يجلب للداخل الإيراني سوى المزيد من الأزمات الأمنية، حيث تسببت هذه السياسات في تحويل البلاد إلى هدف دائم للتوترات التي لا ناقة للشعب الإيراني فيها ولا جمل، فالنظام الذي اختار طريق المواجهة المستمرة وجد نفسه مطاردًا بعواقب أفعاله، حيث أصبحت الدولة بأكملها تدفع ضريبة باهظة نتيجة لمغامرات قيادة لا تأبه بتبعات انهيار المنظومة الأمنية على حياة المواطنين واستقرارهم.
علاوة على ذلك، أدت هذه التوجهات إلى تقويض أي فرصة لبناء علاقات حسن جوار، مما عزز من حالة العزلة الدولية التي تفرضها العقوبات والضغوط الاقتصادية، الأمر الذي أضعف القدرة على التحديث التقني وترك المنظومات الدفاعية عرضة للتقادم والتهالك، مما يضع النظام أمام مأزق حقيقي لا يجد له مخرجًا سوى بالمزيد من التخبط الذي يفاقم من أزماته الداخلية بدلًا من حلها.
الخروج من النفق: هل من مسار لتصحيح المسار؟
يواجه النظام الإيراني اليوم مفترق طرق خطيرًا، فإما أن يستمر في نهجه القائم على العزلة والمواجهة الذي أدى إلى هذا الانحدار الأمني المتسارع، أو أن يقوم بمراجعة شاملة لسياساته الخارجية والعسكرية بما يحفظ ما تبقى من هيبة الدولة، ولكن التجارب التاريخية تشير إلى أن طبيعة هذا النظام القائمة على التصلب الأيديولوجي تجعل من خيار الإصلاح أمرًا شديد الصعوبة في ظل غياب إرادة حقيقية للتغيير.
إن الشعب الإيراني هو المتضرر الأول من هذا المسار الذي أدى إلى تآكل الثقة الدولية وفقدان المكتسبات الوطنية، لذا فإن المستقبل مرهون بمدى قدرة مؤسسات الدولة على استعادة توازنها والتحرر من قبضة السياسات التوسعية التي لم تثمر سوى الخراب، وهو ما يتطلب شجاعة سياسية في التراجع عن حافة الهاوية قبل فوات الأوان وضياع المزيد من الفرص التاريخية التي كانت كفيلة بجعل إيران قوة إقليمية مستقرة ومزدهرة.
ولا يمكن قراءة الواقع الإيراني الحالي بمعزل عن التداعيات الوخيمة للسياسات التي جعلت من العزلة خيارًا استراتيجيًا بدلًا من الانفتاح والتعاون، وما هذا الضعف الأمني الملاحظ إلا صدىً لسنوات طويلة من سوء التخطيط وتفضيل المصالح الحزبية الضيقة على أمن واستقرار الوطن، وهو واقع بات من الصعب إخفاؤه خلف الستائر الإعلامية التي لم تعد تقنع أحدًا.
تتجلى اليوم عواقب الرهان على القوة الغاشمة دون أسس سياسية أو دبلوماسية رصينة، حيث يكتشف النظام الإيراني متأخرًا أن الأمن لا يُبنى بالعداء، بل بالشراكة والتنمية وبناء الجسور، وهو درس قاسٍ تدفعه الدولة من أمنها ومستقبل أجيالها التي تستحق واقعًا أفضل من التخبط الراهن.
إن استمرار النظام في هذا النهج لن يؤدي إلا إلى مزيد من تآكل القدرات الوطنية، مما يفتح الباب أمام تحديات وجودية قد تكون تكلفتها أكبر بكثير مما يمكن للنظام تحمله، مما يستوجب وقفة وطنية جادة تُقيِّم المسار وتضع المصالح العليا فوق أي اعتبار أيديولوجي آخر.

