تعيش المدن العراقية في الآونة الأخيرة مرحلة بالغة الخطورة، حيث لم تعد الجرائم الجنائية مجرد حوادث عارضة ناتجة عن خلل اجتماعي أو فردي، بل تحولت إلى ظاهرة ممنهجة تتداخل بشكل وثيق مع ما يعرف بـ “اقتصاد الظل”، وهو اقتصاد موازٍ يعتمد على الخطف، والابتزاز المالي، والسطو المسلح، وتصفية أصحاب المهن الاقتصادية، مما يفرض واقعًا أمنيًا معقدًا يهدد استقرار السوق الوطنية ويدفع المجتمع نحو حالة من القلق الدائم.
لقد كشفت الحوادث المتكررة، مثل استهداف تجار الذهب والصاغة في مناطق بغداد والمحافظات الأخرى، عن وجود خلايا إجرامية منظمة لا تكتفي بـ “الغنيمة” المباشرة، بل تسعى لفرض هيمنة أمنية تخدم مصالح أطراف اقتصادية خفية، حيث أصبحت الجريمة الجنائية اليوم وسيلة فعالة لتحريك الأموال غير الشرعية وإدارة ملفات الابتزاز السياسي والمالي، مما يجعل من محاربة هذه العصابات معركة وطنية كبرى تتجاوز في أهميتها مجرد القبض على فرد هنا أو هناك.
تقاطع المصالح: لماذا ينجذب اقتصاد الظل إلى الجرائم الجنائية؟
يجد اقتصاد الظل في العراق بيئة خصبة للنمو بسبب ضعف بعض حلقات الرقابة القانونية، حيث تعمد العصابات إلى استهداف المهن التي تتعامل بالسيولة العالية مثل الصاغة وتجار العملات، ليس فقط للسرقة، بل لإرسال رسائل ترهيب تتيح لهم السيطرة لاحقاً على مفاصل هذا السوق، فكل عملية سطو ناجحة لا تمثل سرقة لذهب أو مال فحسب، بل هي إعادة هيكلة قسرية للسوق تجبر أصحابه على الدفع مقابل الحماية أو الإغلاق التام.
إن هذا التغول لم يعد خافيًا على أحد، حيث تحولت هذه الجرائم إلى أداة لتمويل شبكات غير شرعية تمتد جذورها إلى خارج أسوار الجريمة التقليدية، لتصبح جزءًا من منظومة “اقتصاد الظل” الذي يبتلع جزءًا من الدخل القومي ويحوله إلى حسابات وأنشطة مشبوهة، وهو ما يفسر لماذا تبدو بعض العمليات الإجرامية منظمة بدقة متناهية، تشبه في تخطيطها وتنفيذها الأعمال العسكرية، مما يشير إلى وجود غطاء حماية أو دعم لوجستي يوفر لهذه العصابات ملاذات آمنة داخل مفاصل الدولة أحيانًا.
الإفلات من العقاب: الوقود الحقيقي للجريمة المنظمة
يُعد “الإفلات من العقاب” المحرك الأساسي لتوسع هذه الظاهرة، فالتأخير الطويل في حسم قضايا الجرائم الكبرى التي هزت الرأي العام، مثل قضية اختطاف وقتل صائغ الذهب التي تعود لعام 2018، يرسل إشارات خاطئة للعصابات بأن القانون بطيء، وأن الوقت كفيل بطمس الأدلة أو جعل الضحايا ينسون حقوقهم، وهذا الشعور بالحصانة هو ما يدفع المتورطين للعودة لممارسة نشاطهم الإجرامي بأشكال أكثر تطورًا وتوحشًا.
على الرغم من صدور بعض أحكام الإعدام مؤخرًا، إلا أن بقاء متورطين أساسيين في حالة فرار يظل جرحًا مفتوحًا في جسد العدالة العراقية، حيث يعبر أهالي الضحايا عن إحباطهم من بطء إجراءات التقصي عن المتهمين الفارين، وهو إحباط يترجم واقعيًا إلى فقدان ثقة بالمنظومة الأمنية والقضائية، مما يجعل المجتمع يبتعد تدريجيًا عن اللجوء للقانون ويفضل “الصمت” أمام تهديدات العصابات خوفاً من الانتقام، وهذا هو بالضبط ما يريده قادة اقتصاد الظل لضمان استمرار نفوذهم.
تداعيات “اقتصاد الجريمة” على بيئة الاستثمار والاستقرار
لا يمكن لأي اقتصاد وطني أن ينمو في ظل سيادة “مافيات الخطف”، حيث بات المستثمر المحلي والأجنبي يتوجس من التوسع في أعماله خوفاً من تحوله إلى هدف قادم للعصابات؛ مما أدى إلى هروب رؤوس أموال ضخمة إلى الخارج وتراجع كبير في مستوى النشاط التجاري داخل مراكز المدن الحيوية، فالمستثمر لا يطلب فقط قوانين تحميه، بل يطلب واقعًا أمنيًا لا تكون فيه “دولة العصابات” أقوى من “دولة القانون”.
إن تحول الجريمة الجنائية إلى وسيلة لتمويل أنشطة غير شرعية يضع الحكومة العراقية أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما شن حملة أمنية شاملة وعميقة تقتلع جذور هذه العصابات وتفكك شبكات التمويل التابعة لها مهما بلغت مراكز قوتها، أو القبول باستمرار “دولة الظل” التي ستأكل الأخضر واليابس وتؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الثقة التامة بين المواطن والسلطة، فالمعركة اليوم ليست مع مجرمين عاديين، بل مع منظومة فساد وإجرام متشابكة تهدد أمن العراق القومي واستقراره المجتمعي.
نحو خارطة طريق: استعادة سلطة الدولة وإنهاء “عصر الخطف”
يتطلب إنهاء هذا التغول تحركًا استثنائيًا يبدأ بتفعيل أدوات الاستخبارات الجنائية وتطوير قدرات الأجهزة الأمنية في تتبع الأثر الرقمي والمالي لهذه العصابات، مع ضرورة إبعاد المؤسسة الأمنية عن أي تجاذبات سياسية قد تؤدي إلى عرقلة القبض على المتورطين، فكلما كان الأمن مقدسًا وبعيدًا عن المحاصصة، كلما زادت فرص الدولة في الإمساك بزمام الأمور وإعادة فرض هيبتها التي تراجعت بفعل هذه الجرائم.
إن استعادة سيادة القانون تبدأ بإنهاء زمن “الجرائم المنسية” والقبض على كل متورط هارب مهما كانت الحماية التي يتمتع بها، فالمواطن العراقي لم يعد يكترث بالوعود الأمنية التقليدية، بل ينتظر نتائج ملموسة على الأرض تعيد له شعوره بالأمان، وتضع حدًا لهذا الاقتصاد الخفي الذي يقتات على دماء العراقيين وأرزاقهم، فالعراق القوي هو العراق الذي لا يُخطف فيه تاجر، ولا يُقتل فيه مواطن من أجل المال، ولا تُفلت فيه عصابة من قبضة العدالة.

