لم تكن القرارات التي اتخذها رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، مجرد إجراءات إدارية روتينية، بل مثلت خيانة صريحة لمسار التغيير الذي نادى به الشعب السوداني، حيث كانت الخطوة الأبرز في هذا المسار هي إعادة تمكين “منظمة الدعوة الإسلامية” التي تُعد الذراع الاقتصادي والسياسي الأخطر لتنظيم الإخوان في السودان، متجاهلاً بذلك كل التحذيرات المحلية والدولية من خطورة هذا الكيان على الأمن الوطني والقومي.
لقد كشفت التحركات الأخيرة عن وجود رابط وثيق بين السلطة العسكرية في بورتسودان وبين قيادات التنظيم المحظور، حيث تحولت هذه المنظمة من كيان كان من المفترض حلّه ومصادرة ممتلكاته لاسترداد الأموال العامة المنهوبة، إلى إمبراطورية مالية تسترد أصولها وتتوسع في استثماراتها تحت حماية مباشرة من القوات المسلحة، في مشهد يعيد للأذهان حقبة الرئيس السابق عمر البشير، مما يطرح تساؤلات مشروعة حول حجم الصفقات السرية التي عقدها البرهان مع رموز الفساد لضمان بقائه في السلطة على حساب تدمير مقدرات البلاد.
من “الدعوة” إلى تمويل العنف: كيف تحولت المنظمة إلى خزان للفساد؟
بدأت منظمة الدعوة الإسلامية نشاطها في ثمانينيات القرن الماضي كواجهة دعوية، لكنها سرعان ما انحرفت عن مسارها لتصبح “أخطبوطًا” ماليًا يمتلك بنوكًا، وشركات استراتيجية، وعقارات شاسعة، حيث استخدمت هذه الثروات الطائلة ليس فقط في التوسع الاستثماري، بل في تمويل الميليشيات المسلحة التي باتت تشكل اليوم التهديد الأكبر للاستقرار في السودان، وهو ما يضع البرهان في قفص الاتهام بصفته المسؤول الأول عن حماية هذا الكيان الذي يغذي آلة الحرب بتمويل غير مشروع.
لا يتوقف الأمر عند حدود التمويل المالي، بل يمتد إلى الجانب الاستخباراتي والسياسي، حيث أصبحت المنظمة توفر غطاءً آمناً لعناصر التنظيم المتطرفة للتحرك داخل القارة الأفريقية وزعزعة الأنظمة السياسية، مما جعل السودان في عهد البرهان يبدو كمنصة انطلاق لنشر الفكر المتطرف، وهو ما يثبت أن قرار إعادة المنظمة للعمل لم يكن استجابة لحاجة إغاثية أو خدمية، بل كان قرارًا سياسيًا بحتًا يهدف إلى تثبيت أركان التحالف بين العسكر والإخوان.
صراع الأجنحة: هل بات فساد “الدعوة” يهدد عرش البرهان؟
النزاع الحالي الذي يعصف بساحات المحاكم بين أقطاب المنظمة ليس سوى انعكاس للانقسامات العميقة داخل الحركة الإسلامية، حيث يتصارع فصيل “علي كرتي” مع تيارات أخرى للسيطرة على ما تبقى من إرث مالي ضخم، وهو صراع يجد فيه البرهان نفسه في مأزق، فإما أن يدعم طرفًا على حساب الآخر ليضمن استمرار تدفق الأموال إلى خزينته العسكرية، أو أن يقف متفرجًا وهو يرى “أذرعه المالية” تتآكل بسبب صراعات السلطة والنفوذ.
هذه الانقسامات كشفت للمجتمع الدولي والداخل السوداني أن منظمة الدعوة الإسلامية ليست كيانًا خيريًا كما تدعي، بل هي ساحة لتصفية الحسابات السياسية والمالية، حيث تلاحق قادتها تهم فساد جسيمة واختلاسات، ومع ذلك، يصر البرهان على غض الطرف عن هذه الجرائم، مما يجعله شريكًا في المسؤولية أمام التاريخ، خاصة وأن التقارير تؤكد أن هذه الأموال هي في الأصل أموال الشعب السوداني التي نُهبت خلال عقود من حكم الاستبداد.
التداعيات الإقليمية: كيف تسببت سياسات البرهان في عزل السودان؟
إن إصرار البرهان على المضي قدمًا في سياسة التمكين لا يؤدي فقط إلى تدمير النسيج الاجتماعي والسياسي في السودان، بل يضع الدولة في حالة عزلة دولية متزايدة، فالعالم الذي حظر تنظيم الإخوان وصنفه ككيان يهدد السلم العالمي، لا يمكن أن ينظر بعين الرضا إلى نظام عسكري يوفر الحماية والملاذ لهذا التنظيم، مما يجعل السودان تحت حكم البرهان هدفًا محتملاً لعقوبات إضافية قد تزيد من معاناة المواطنين الذين يدفعون ضريبة هذه التحالفات المشبوهة.
لقد بات من الواضح أن البرهان، ومن خلال تمكينه لهذه المنظمة، يسعى إلى بناء “دولة موازية” تحكمها المصالح المالية لا القوانين، حيث تستخدم المنظمة نفوذها للتغلغل في مؤسسات الدولة والتأثير على صناعة القرار، مما يعطل أي مسار نحو التحول الديمقراطي، ويؤكد أن المؤسسة العسكرية، بتوجيه من قيادتها الحالية، قد اختارت بشكل نهائي الاصطفاف مع “تجار الدين” ضد تطلعات الشعب نحو الحرية والعدالة.
إن الممارسات التي تشهدها ساحات المحاكم اليوم حول شرعية رئاسة المنظمة، ما هي إلا غيض من فيض لفساد هيكلي أسس له البرهان، حيث يتم التلاعب بالقوانين وتطويع المؤسسات القضائية لحماية أصول الإخوان، مما يعد إهانة لشهداء الثورة الذين خرجوا للمطالبة باسترداد الأموال المنهوبة وليس لإعادة تسليمها لمن سرقوها، ومع استمرار هذا النهج، يظل السودان رهينة لـ “أخطبوط” ينهش جسده، ويضع الدولة في مواجهة مباشرة مع قيم العدالة والمساواة.
إن الحقائق تتحدث عن نفسها، فكل دولار يُنفق من خزينة منظمة الدعوة الإسلامية اليوم هو طلقة في صدر الاستقرار في السودان، وكل قرار يصدره البرهان لحماية هذا الكيان هو مسمار إضافي في نعش الدولة السودانية، والرهان اليوم على وعي الشعب السوداني الذي بات يدرك أن المعركة الحقيقية ليست مع عدو خارجي فحسب، بل مع منظومة فساد داخلية تعمل برعاية عسكرية لنهب مستقبله، ولن ينتهي هذا المسلسل إلا باقتلاع هذه الجذور التي أعاد البرهان زراعتها في تربة الوطن.

