تكشف التطورات الميدانية الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، أن إعلان التهدئة والالتزام بالمسارات الدبلوماسية لا يعدو كونه مناورة تكتيكية مدروسة تقودها العاصمة الإيرانية طهران، حيث يستغل وكيلها العسكري في لبنان هذه الأوقات لترتيب الصفوف وإعادة التموضع والانتشار الحركي في مناطق الجنوب والشرق بشكل يهدد بنسف الاستقرار الإقليمي الهش.
وتشير القراءات التحليلية الدقيقة لملف التسلح والمناورات العسكرية إلى أن الحرس الثوري الإيراني مستمر في تدفق شحنات الأسلحة النوعية والصواريخ الدقيقة عبر الممرات البرية والجوية غير الشرعية، مما يثبت بشكل قاطع أن القرار العسكري والأمني للحزب منفصل تمامًا عن مصالح الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية التي تعاني شللاً سياسيًا حادًا جراء هيمنة هذا السلاح.
وتعكس هذه التحركات الاستباقية رغبة طهران الواضحة في إبقاء الجبهات مشتعلة واستخدام الساحة اللبنانية كمنصة متقدمة للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية ونفوذها الإقليمي، بغض النظر عن الكلفة البشرية والاقتصادية الباهظة التي يتكبدها المواطنون اللبنانيون الذين تحولت قراهم ومنازلهم إلى مخازن سرية ومنصات لإطلاق الصواريخ وحفر الأنفاق الهجومية المعقدة.
جرائم حزب الله والتدخل في سوريا
ولا يمكن عزل السلوك الحالي للحزب عن تاريخه الطويل من الانتهاكات والجرائم العابرة للحدود والتي تجاوزت الساحة اللبنانية لتصل إلى عمق الأراضي السورية، حيث قاد الفصيل المسلح بتوجيهات مباشرة من جنرالات طهران عمليات تطهير عرقي ومذهبي واسعة النطاق أسفرت عن تهجير ملايين المدنيين السوريين من مدنهم وقراهم الأصلية في القصير وحمص وحلب وغيرها.
لقد تسببت التدخلات العسكرية المباشرة للحزب في حماية النظم الحليفة لطهران في إحداث تدمير ديموغرافي واجتماعي هائل بالمنطقة، حيث ارتكبت الوحدات القتالية التابعة له مئات الانتهاكات الجسيمة ضد حقوق الإنسان، شملت الحصار والتجويع الممنهج للمدن الآهلة بالسكان، بالإضافة إلى تنفيذ حملات اعتقال وتصفية ميدانية واسعة ضد المعارضين للمشروع التوسعي الإيراني.
وتؤكد التقارير الحقوقية الدولية، أن هذه الجرائم ما تزال مستمرة من خلال فرض السيطرة العسكرية على المعابر الحدودية غير الشرعية بين لبنان وسوريا، واستغلالها في تسهيل حركة المقاتلين الأجانب ونقل التكنولوجيا العسكرية الإيرانية، مما يقوض بشكل كامل كافة الجهود الأممية الرامية إلى إحلال السلام وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة بوقف التسليح غير القانوني.
اقتصاد الظل والتمويل غير المشروع
وإلى جانب الجرائم العسكرية الميدانية يدير الحزب بالتنسيق مع شبكات الحرس الثوري الإيراني منظومة اقتصادية سوداء ضخمة تعتمد بالأساس على تجارة الممنوعات وتهريب المواد المخدرة، وفي مقدمتها حبوب الكبتاجون التي يتم تصنيعها وتصديرها على نطاق واسع لتهديد الأمن الاجتماعي والصحي لدول المنطقة والعالم بأسره لتوفير السيولة النقدية اللازمة لتمويل العمليات المسلحة.
وتشير البيانات المالية المتوفرة حول اقتصاد الظل بالمنطقة إلى أن هذه الشبكات الإجرامية العابرة للقارات تستغل الموانئ والمطارات والمنافذ الحدودية الواقعة تحت سيطرتها لغسيل الأموال وتمرير البضائع المهربة، مما يساهم في تجفيف منابع الاقتصاد الرسمي للدول، وإضعاف قدرة الحكومات الشرعية على تحصيل إيراداتها، ويتسبب في النهاية في إفقار الشعوب وتدمير بنيتها الاقتصادية الأساسية.
إن هذا الدعم المالي واللوجستي المستمر من طهران يتيح للحزب الحفاظ على هيكله العسكري المتضخم بعيدًا عن الرقابة المالية والمحاسبة القانونية المحلية، ويجعله قادرًا على ضرب القوانين المصرفية الدولية بعرض الحائط، مستخدمًا مؤسسات مالية موازية وغير مرخصة لتمويل أنشطته السياسية والعسكرية ونشر الفوضى في المجتمعات المحيطة به دون رادع.
تفخيخ مسارات السلام الدولية
ويمثل رفض الحزب المستمر لتطبيق القرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 1701 والقرار 1559، دليلاً إضافيًا على رغبة إيرانية حاسمة في عدم إفساح المجال للحلول الدبلوماسية، حيث يستمر انتشار العناصر المسلحة في مناطق جنوب نهر الليطاني بالرغم من كافة التعهدات العلنية بالانسحاب والتزام الهدوء الحذر والتهدئة المؤقتة.
وتكشف عمليات الرصد الميداني لبعثات المراقبة الدولية، أن الحزب يتعمد إعاقة حركة القوات الدولية (اليونيفيل) في الجنوب اللبناني، ويمنعها من تفتيش المنشآت والمواقع المشبوهة التي يتم استخدامها كقواعد عسكرية متقدمة، مما يحول كامل المنطقة الحدودية إلى قنبلة موقوتة مرشحة للانفجار في أي لحظة عند تلقي الأوامر المباشرة من القيادة العسكرية العليا في طهران.
إن هذا الإصرار على مصادرة قرار الحرب والسلم يضع الدولة اللبنانية بكاملها في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ويعرض المنشآت الحيوية والبنية التحتية لخطر الدمار والخراب، في وقت يعاني فيه الشعب اللبناني من أزمات معيشية واقتصادية طاحنة تجعل من غير الممكن تحمل كلفة أي مغامرة عسكرية جديدة غير محسوبة العواقب.
المآلات المستقبلية للتصعيد
ويظهر بوضوح أن منظومة الهدنة الحالية ليست سوى غطاء سياسي مؤقت تستخدمه إيران لحماية أذرعها العسكرية من الضربات القاصمة، وتحضيرها لجولات قتالية قادمة أشد ضراوة مستغلة حالة التراخي الدولي والوعود الدبلوماسية التي ثبت عدم جديتها على أرض الواقع الميداني المشتعل بالنيران والانتهاكات المتواصلة.
إن مواجهة هذه الجرائم والانتهاكات الممنهجة تتطلب صياغة استراتيجية دولية وإقليمية موحدة وحازمة، لا تقتصر فقط على تمديد الهدن المؤقتة، بل تتعدى ذلك إلى تجفيف منابع التمويل الإيراني، وفرض عقوبات صارمة على شبكات التهريب والتمويل، والضغط الفعلي لتجريد الفصائل المسلحة من سلاحها وإعادة بسط سيادة الدول على كامل أراضيها ومنافذها الرسمية.
وتستمر الأيام القادمة في وضع كافة الأطراف الدولية أمام مسؤولياتها التاريخية لوقف التغلغل الإيراني وإنقاذ شعوب المنطقة من دفع أثمان حروب الوكالة، حيث أثبتت التجارب أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق طالما بقيت لغة السلاح والمليشيات فوق لغة القانون والسيادة الوطنية والمؤسسات الشرعية للدول المتضررة من هذه الأنشطة.

