ذات صلة

جمع

سجون “الظل” في سوريا والعراق ولبنان.. ثقوب سوداء تبتلع الخصوم

خلف السواتر الترابية والمباني المهجورة التي تسيطر عليها المليشيات...

تصعيد غير مسبوق بين موسكو وكييف.. حرب المسيرات تدخل مرحلة أكثر خطورة

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد العسكري...

سقوط “العمود الفقري”.. كيف تنهار شبكات نفوذ النهضة تحت وطأة قضايا الفساد المالي؟

تعيش حركة النهضة الإخوانية في تونس أيامهـا الأكثر سوادًا منذ عقد من الزمان، حيث لم يعد الصراع مجرد تدافع سياسي أو خلاف على السلطة، بل تحول إلى مواجهة قضائية شاملة تستهدف تجفيف منابع التمويل وتفكيك شبكات النفوذ التي توغلت في مفاصل الدولة.

فبعد سنوات من العمل في الظل تحت شعارات الوعظ، استيقظ الشارع التونسي على حقائق صادمة كشفتها أحكام القضاء الباتة، والتي كان آخرها السجن 14 عامًا بحق فوزي كمون، مدير مكتب راشد الغنوشي، في قضايا تتعلق بتبييض الأموال وغسلها.

هذا الحكم لم يكن مجرد إدانة لشخص، بل كان بمثابة زلزال ضرب “العمود الفقري” المالي للتنظيم، ليكشف كيف تحولت مكاتب القيادات إلى مراكز لإدارة تدفقات مالية مشبوهة بعيدًا عن رقابة القانون، مما يضع الجماعة أمام حتمية الانهيار التنظيمي الكامل بعد فقدان الغطاء المالي والسياسي الذي تمتعت به طويلاً.

سقوط “خزانة الأسرار” ونهاية زمن الإفلات من العقاب

يعتبر الحكم القضائي الصادر بحق فوزي كمون نقطة تحول استراتيجية في مسار الدولة التونسية نحو المحاسبة، حيث أن كمون لم يكن مجرد موظف إداري عابر، بل كان “الصندوق الأسود” وكاتم أسرار راشد الغنوشي والمنسق الفعلي لكل تحركاته واتصالاته الحساسة.

إن إدانة الرجل الأول في ديوان رئاسة الحركة بتهم غسل الأموال تعني أن القضاء قد وضع يده أخيرًا على الوثائق والأدلة التي تثبت تورط الهيكل القيادي الأعلى في عمليات مالية غير مشروعة تهدف إلى شراء الولاءات وتثبيت دعائم الحكم الحزبي على حساب المصلحة الوطنية.

هذا المسار القضائي يؤكد أن تونس قد تجاوزت مرحلة الملاحقات السياسية لتصل إلى مرحلة الملاحقة الجنائية المدعومة بالمعطيات الرقمية والبنكية، مما يجعل من الصعب على التنظيم الادعاء بالمظلومية أمام الرأي العام الذي سئم من قصص الثراء الفاحش لقيادات الجماعة.

من التغلغل في الدولة إلى الزنزانة: كيف انفرط عقد التنظيم؟

طوال العقد الماضي، نجحت حركة النهضة في بناء “أخطبوط” من المصالح المتداخلة، حيث استغلت وجودها في السلطة لتعيين الموالين لها في مناصب حساسة، مما سهل نمو شبكات فساد مالي وسياسي غير مسبوقة في تاريخ البلاد.

وقد كشفت التحقيقات الجارية، أن إدارة العلاقة بين التنظيم الحزبي ومؤسسات الدولة كانت تتم عبر “رجال ظل” مثل فوزي كمون، الذي تدرج من النشاط الطلابي إلى إدارة مكاتب رؤساء الحكومات وصولاً إلى إدارة مكتب الغنوشي، هذا التغلغل سمح للجماعة بالسيطرة على مفاصل القرار وتوجيه الموارد لخدمة الأجندة الإخوانية العابرة للحدود، ولكن مع تفعيل آليات المحاسبة القضائية، بدأ هذا العقد في الانفراط بشكل متسارع، حيث يواجه القادة اليوم ملفات ثقيلة تشمل التمويل الأجنبي المشبوه والجهاز السري وملفات التسفير إلى بؤر التوتر.

تجفيف المنابع المالية وانهيار القدرة على الحشد

إن الضربة التي تلقاها التنظيم في ملف الفساد المالي تعد الأكثر إيلاماً، لأنها تستهدف “محرك” الجماعة الذي تعتمد عليه في تمويل الأنشطة الدعائية وعمليات الحشد الشعبي المأجور.

فبدون التدفقات المالية المشبوهة التي كانت تدار عبر مكاتب القيادات، تجد النهضة نفسها اليوم عاجزة عن إدارة شؤونها اليومية أو حتى الحفاظ على وحدة قواعدها التي بدأت تتسرب بعيداً عن التنظيم المتهالك.

وترى مصادر، أن الدولة التونسية نجحت في محاصرة “إمبراطورية المال” الإخوانية من خلال مراقبة الجمعيات الواجهة والشركات التي كانت تستخدم كستار لعمليات تبييض الأموال؛ مما أدى إلى حالة من الشلل التنظيمي الذي لم تشهده الحركة منذ نشأتها، مؤكدة أن القضاء القوي هو السلاح الفعال في مواجهة تغلغل الجماعات الأيديولوجية.

مستقبل الإخوان في تونس: هل هي رصاصة الرحمة؟

مع صدور الأحكام القضائية الباتة وتفكيك شبكات التمويل، يبدو أن حركة النهضة قد انتهت سياسيًا وتنظيميًا ولم يعد بقاؤها سوى مسألة وقت، حيث فقدت المصداقية أمام الشعب والقدرة على المناورة أمام القضاء.

إن التحول من ملاحقة ملفات “التآمر” إلى ملفات “الفساد المالي” هو ذكاء استراتيجي من الدولة التونسية، لأنه يكشف للجمهور الوجه الحقيقي للجماعة كمنظومة نفعية تبحث عن المال والسلطة بأي ثمن.

وبسقوط فوزي كمون ومن قبله غلق المقرات وتجميد الأرصدة، يتم كتابة الفصل الأخير من قصة الإخوان في تونس، لتبدأ البلاد مرحلة جديدة من البناء الوطني بعيدًا عن ارتهان القرار للمصالح الحزبية الضيقة أو الولاءات الخارجية التي لطالما استنزفت ثروات التونسيين ومقدراتهم.