يواجه العراق تحديًا وجوديًا غير مسبوق يتمثل في تغول نفوذ الميليشيات المسلحة التي باتت تعمل كـ “دولة موازية” تفرض إرادتها على القرار السيادي وتخنق الدبلوماسية الرسمية، مما جعل البلاد تحت مجهر الرصد الدولي الصارم الذي يرى في هذه التشكيلات لغمًا يهدد استقرار المنطقة برمتها.
إن المشهد العراقي اليوم لم يعد يقتصر على صراع سياسي داخلي، بل تحول إلى مواجهة مفتوحة بين منطق الدولة الحريصة على علاقاتها الدولية وبين منطق الفصائل التي لا تعترف بالحدود أو المواثيق، محولة الأراضي العراقية إلى منصة لتنفيذ أجندات خارجية لا تخدم المصالح الوطنية العليا.
ومع استمرار هذه الميليشيات في ارتكاب جرائم تتراوح بين القمع الداخلي والاعتداء على البعثات الدبلوماسية، بدأت العواصم الكبرى تراجع حساباتها تجاه بغداد، محذرة من أن بقاء السلاح المنفلت خارج سيطرة القائد العام للقوات المسلحة سيعني حتمًا عزل العراق دوليًا وحرمانه من الاستثمارات والتحالفات الاستراتيجية التي يحتاجها للتعافي الاقتصادي والأمني.
تغول الميليشيات وضرب المفهوم السيادي للدولة العراقية
تعد جرائم الميليشيات في العراق حجر الزاوية في تآكل هيبة الدولة، حيث تمارس هذه الفصائل عمليات اختطاف وقتل ممنهج ضد الناشطين والمعارضين الذين يرفضون الارتهان للخارج، وهو ما تسبب في موجة من الإدانات الدولية التي تصف الوضع الحقوقي في العراق بأنه “في خطر داهم”.
إن هذه الفصائل لا تكتفي بفرض سطوتها الأمنية، بل تعمد إلى ابتزاز المؤسسات الحكومية والسيطرة على المنافذ الحدودية، مما يخلق اقتصادًا موازيًا يمول آلتها العسكرية بعيدًا عن رقابة الدولة، وهو أمر ترصده التقارير الدولية بدقة وتعتبره عائقًا أمام انضمام العراق للمنظومات المالية العالمية.
هذا التغول جعل من الصعب على أي حكومة عراقية أن تقدم نفسها للعالم كشريك موثوق، طالما أن القرارات الكبرى في الحرب والسلم يتم اتخاذها في غرف مغلقة تابعة للميليشيات، بعيدًا عن أروقة البرلمان أو السراي الحكومي، مما يعطي انطباعًا بأن بغداد باتت رهينة لإرادة السلاح غير الشرعي.
تهديد البعثات الدبلوماسية وعزل بغداد عن المحيط الدولي
من أخطر الانتهاكات التي تمارسها الميليشيات العراقية هو استهداف البعثات الدبلوماسية والسفارات الأجنبية بالصواريخ والطائرات المسيرة، وهو ما يمثل خرقًا صارخًا لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية ويضع العراق في خانة الدول غير القادرة على حماية ضيوفها.
إن هذه الهجمات لا تستهدف أشخاصًا بعينهم فحسب، بل تهدف إلى قطع خيوط التواصل بين العراق والمجتمع الدولي، وإجبار الشركات العالمية على الانسحاب من السوق العراقي خشية تعرض موظفيها للاستهداف، مما يؤدي إلى خسارة مليارات الدولارات من الاستثمارات المباشرة.
وترى مصادر، أن صمت الحكومة أو عجزها عن لجم هذه الميليشيات يرسل رسالة سلبية للعالم بأن السيادة العراقية منقوصة، وأن الدولة لا تمتلك الحق الحصري في استخدام القوة، مما يدفع العديد من الدول إلى تقليص تمثيلها الدبلوماسي أو فرض قيود مشددة على التعامل مع المؤسسات العراقية التي قد تكون مخترقة من قبل هذه الفصائل.
الميليشيات كأداة لتصفية الحسابات الإقليمية على حساب المواطن
تؤكد الوقائع الميدانية في عام 2026 أن الميليشيات العراقية حولت البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث يتم استخدام الساحة العراقية لإرسال رسائل مشفرة عبر قصف أهداف خارج الحدود أو تهديد المصالح الدولية في المنطقة، مما يجعل العراق طرفًا في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
إن هذا الارتهان للأجندات الخارجية يحرم العراق من لعب دور الوسيط المتوازن في المنطقة، ويحوله إلى “ساعي بريد” أو منصة انطلاق للعمليات العدائية، وهو ما يثير حفيظة جيران العراق وحلفائه التقليديين الذين باتوا يتوجسون خيفة من تنامي قدرات هذه الفصائل الصاروخية والتقنية، وإن المواطن العراقي هو المتضرر الأول من هذه السياسات، حيث يجد نفسه محاصرًا بتبعات العقوبات الدولية المحتملة، وبتراجع فرص العمل، وبعودة شبح الحروب بالوكالة التي لا تجلب سوى الدمار والفقر والنزوح، وسط غياب تام لأي رؤية وطنية لدى قادة هذه الميليشيات الذين يضعون الولاء العابر للحدود فوق مصلحة الوطن.
قمع الحريات الداخلية وجرائم التغيير الديموغرافي القسري
لا تتوقف جرائم الميليشيات عند حدود السياسة الخارجية، بل تمتد لتشمل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الداخل العراقي، حيث تشير تقارير حقوقية إلى تورط فصائل مسلحة في عمليات تغيير ديموغرافي في بعض المحافظات المحررة، من خلال منع النازحين من العودة إلى ديارهم والاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم.
إن هذه الممارسات التي تتسم بالصبغة الطائفية تمزق النسيج الاجتماعي العراقي وتزرع بذور الفتنة المستدامة، مما يجعل الاستقرار الداخلي هشًا وقابلاً للانفجار في أي لحظة.
كما تمارس هذه الميليشيات ترهيبًا ممنهجًا ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، وتفرض رقابة صارمة على المحتوى الرقمي، في محاولة لطمس معالم جرائمها ومنع وصول الحقائق إلى الرأي العام العالمي، وهو ما يضع العراق في ذيل قائمة الدول التي تحترم حرية التعبير، ويزيد من الضغوط الدولية لفرض عقوبات على قادة هذه الفصائل بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
حتمية حصر السلاح بيد الدولة لإنقاذ مستقبل العراق
ويبرز التحدي الأكبر أمام الدولة العراقية في عام 2026 وهو ضرورة حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية وتفكيك “دولة الميليشيات” التي تبتلع موارد البلاد ومستقبلها، إذ لا يمكن بناء علاقات خارجية متزنة أو اقتصاد قوي في ظل وجود فصائل مسلحة تمتلك قدرات تضاهي قدرات الجيش الوطني.
إن المجتمع الدولي بات يربط بين دعمه للعراق وبين قدرة الحكومة على بسط سيادتها الكاملة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وهو ما يتطلب إرادة سياسية صلبة قادرة على مواجهة نفوذ الميليشيات وتحرير القرار العراقي من التبعية، وإن استمرار الوضع الحالي يعني انزلاق العراق نحو عزلة دولية خانقة، قد تنتهي بانهيار النظام السياسي والاقتصادي بالكامل، ولذلك فإن إنقاذ العراق يبدأ من استعادة هيبة الدولة وإنهاء سطوة الفصائل المسلحة، لتكون بغداد عاصمة للسيادة والقرار الوطني المستقل، لا ساحة للصراعات ومأوى للمجموعات الخارجة عن القانون الدولي.

