خلف الستائر الدبلوماسية والمناورات السياسية المعقدة، تبرز حقيقة واحدة يجمع عليها خبراء الأمن القومي في عام 2026، وهي أن جماعة الإخوان المسلمين لم تعد مجرد حركة دعوية، بل تحولت إلى “الرحم الأيديولوجي” الذي انبثقت منه أبشع صور التطرف الحديث التي نعيشها اليوم.
إن الوثائق الاستراتيجية المسربة والتحليلات الاستخباراتية الحديثة تشير بوضوح لا يقبل اللبس إلى أن التنظيمات العابرة للحدود، مثل القاعدة وداعش وصولًا إلى حماس، لم تكن لتجد لها موطئ قدم لولا القواعد الفكرية التي أرساها قادة الجماعة، والذين شرعنوا العنف تحت مسميات براقة تهدف، في جوهرها، إلى تقويض مفهوم الدولة الوطنية واستبدالها بهياكل فوضوية تخدم أهداف التنظيم الدولي.
وتذهب استراتيجية واشنطن المحدثة لمكافحة الإرهاب إلى أبعد من ذلك، حين تؤكد أن الفصل بين “إرهاب الميدان” و”إرهاب الفكر” هو خطأ استراتيجي وقع فيه المجتمع الدولي لعقود، مما سمح لجماعة الإخوان بالتغلغل في المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء، مستغلة هوامش الحرية لبث سمومها.
وإن هذا الجذر الأيديولوجي المتطرف هو المسؤول الأول عن تأصيل فكرة “الحاكمية” و”تكفير المجتمعات”، وهي الأدوات ذاتها التي استخدمها أبو بكر البغدادي وأسامة بن لادن لتبرير عمليات القتل الجماعي والدمار الذي طال عواصم العالم، مما يجعل مواجهة الإخوان اليوم ضرورة وجودية لاستعادة الأمن والسلم الدوليين، وحماية الأجيال القادمة من السقوط في فخ التطرف.
نهاية زمن المناورة
في تحول دراماتيكي يعكس جدية المرحلة، وضعت الولايات المتحدة حدًا لسنوات من المناورة السياسية التي أتقنتها جماعة الإخوان، من خلال تفعيل قوائم “المنظمات الإرهابية الأجنبية” لتشمل فروعًا حيوية للجماعة في مصر والأردن ولبنان، وهي الخطوة التي اعتبرها مراقبون “رصاصة الرحمة” على شرعية الجماعة الدولية. هذا التصنيف لم يكن مجرد إجراء إداري، بل هو بمثابة إعلان حرب قانونية وأمنية تهدف إلى محاصرة قادة الجماعة الهاربين وتجميد أصولهم المالية، مما يقطع الطريق أمام محاولاتهم الدؤوبة للظهور بوجه “المعارضة السياسية” أمام البرلمانات الغربية، في حين أن ممارساتهم على الأرض تدعم الفوضى والخراب.
وتشير التقارير الصادرة من واشنطن إلى وجود جهود مكثفة لتوسيع هذه التصنيفات لتشمل فروعًا إضافية في القارة الأفريقية وآسيا، حيث تستغل الجماعة هشاشة النظم الأمنية هناك لبناء قواعد انطلاق جديدة لعملياتها. وإن هذا الحصار القانوني يهدف، بالدرجة الأولى، إلى تجريد الإخوان من “الغطاء الأخلاقي” الذي تلطوا خلفه لعقود، مما يجبر الدول الحليفة للولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط على اتخاذ مواقف حاسمة ومماثلة، ويمنع التنظيم الدولي من استخدام المؤسسات الخيرية والمراكز الثقافية كستار لعمليات التجنيد والتحريض الممنهج ضد الدول الوطنية المستقرة.
تجفيف منابع التمويل
لا يمكن الحديث عن محاربة الإرهاب دون التطرق إلى “عصب الحياة”، وهو المال، ولذلك ركزت استراتيجية مكافحة الإرهاب لعام 2026 على تعطيل كافة قنوات التمويل السرية التي تديرها جماعة الإخوان عبر شبكة معقدة من الشركات العابرة للقارات والملاذات الضريبية. وإن العقوبات الاقتصادية الأخيرة والتدابير الأمنية الصارمة استهدفت بشكل مباشر “رؤوس الأموال القذرة” التي يتم جمعها تحت ستار التبرعات والأنشطة التجارية المشبوهة، حيث تمكنت فرق التعقب المالي من كشف ارتباطات مالية وثيقة بين قيادات إخوانية بارزة وشبكات تمويل لعمليات مسلحة في مناطق النزاع، مما جعل العالم يدرك أن كل دولار يصل للجماعة يتحول، في النهاية، إلى رصاصة أو عبوة ناسفة.
وبالإضافة إلى الجانب المالي، شنت واشنطن والشركاء الدوليون حملة شعواء لتفكيك شبكات التجنيد الرقمي التي تستهدف الشباب عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تم تطوير خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على رصد وتعطيل محتوى “الدعاية الإخوانية” قبل انتشاره. وإن مواجهة الدعاية والتأثير الإعلامي للجماعة لم تعد تقتصر على الرد بالحجة، بل امتدت لتعطيل قنوات التأثير الرقمي التي تبث من عواصم توفر ملاذًا آمنًا للجماعة، مما ساهم في تقليص قدرة التنظيم على حشد عناصر جديدة أو ممارسة الضغط السياسي عبر كتائب إلكترونية مضللة تقتات على نشر الشائعات والأكاذيب لزعزعة استقرار المجتمعات.
شبكات الجهاد العالمية
تؤكد الرؤية الأمنية الجديدة أن جماعة الإخوان المسلمين ليست تنظيمًا محليًا معزولًا، بل هي جزء لا يتجزأ من شبكة “الجهاد العالمية” الأوسع التي تهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة والدول الغربية على حد سواء. وإن هذا النهج الصارم في التعامل مع الإخوان ككيان عابر للحدود يسلط الضوء على الروابط اللوجستية والعسكرية بين الجماعة والميليشيات المسلحة في المنطقة، بما في ذلك التنسيق الميداني مع أذرع إيران وحماس والحوثيين، وهو التحالف الذي يهدف إلى خلق “قوس من الفوضى” يمتد من المتوسط إلى الخليج العربي، مما يهدد أمن الطاقة والملاحة الدولية، ويضع العالم أمام تحديات أمنية غير مسبوقة تتطلب ردًا حازمًا وجماعيًا.
إن الصلات المريبة بين الإخوان والميليشيات الطائفية والمسلحة تكشف زيف الشعارات التي ترفعها الجماعة حول “الديمقراطية”، حيث يتضح أن الهدف الأسمى هو السلطة، حتى لو كان ذلك على حساب التحالف مع قوى معادية لاستقرار المنطقة ومصالح شعوبها. هذه الروابط المشبوهة تسببت في تأجيج الصراعات المسلحة وزيادة وتيرة العمليات الإرهابية، مما جعل المجتمعات الدولية تدرك أن استقرار الشرق الأوسط مرتبط بشكل وثيق بإنهاء دور الإخوان كـ”وسيط للفوضى”، ومنعهم من لعب دور الحاضنة التي توفر الدعم اللوجستي والغطاء الفكري للجماعات الأكثر دموية وتطرفًا في العصر الحديث.
شراكات دولية صلبة
في مواجهة هذا الأخطبوط الإرهابي، دعت الولايات المتحدة إلى تعزيز التعاون الدولي مع الحلفاء في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، لبناء جبهة موحدة قادرة على تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق التدابير الأمنية لمكافحة التطرف الإخواني. وإن هذه الشراكات الدولية تهدف إلى خلق بيئة طاردة للتنظيم الدولي، بحيث لا يجد قادته مكانًا آمنًا للهرب أو ممارسة أنشطتهم التحريضية، مع التركيز بشكل خاص على غلق الثغرات القانونية في القارة الأوروبية التي استغلها التنظيم لسنوات لبناء مراكز نفوذ سياسي ومالي، مما يعزز من فاعلية ضربات “السلام من خلال القوة” التي تتبناها العقيدة الأمريكية لحماية أمنها القومي وأمن حلفائها.
وعلى صعيد آخر، تركز هذه الشراكات على جانب “التحصين الفكري” للمجتمعات، من خلال دعم المؤسسات الدينية المعتدلة التي تتبنى خطابًا إسلاميًا وسطيًا ينبذ العنف ويحترم سيادة الدول، وهو ما يساهم في سحب البساط من تحت أقدام الإخوان الذين حاولوا اختطاف تمثيل الإسلام والمسلمين.
إن التمييز الدقيق بين جوهر الدين الإسلامي السمح وبين الأيديولوجيا السياسية العنيفة للجماعة هو حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية، حيث يتم التأكيد للعالم أجمع أن الحرب ليست ضد الإسلام كعقيدة، بل ضد تنظيمات سياسية تستغل الدين لتحقيق أغراض سلطوية وتدميرية، وهو ما يضمن كسب تأييد المجتمعات المسلمة التي كانت الضحية الأولى لجرائم الإخوان وتطرفهم.
حماية الأمن القومي
تأتي مواجهة جماعة الإخوان المسلمين في قلب استراتيجية “أمريكا أولًا” لعام 2026، انطلاقًا من مبدأ راسخ، وهو أن حماية المواطن الأمريكي تبدأ من تجفيف بؤر التوتر ومحاربة الإرهاب في منابعه البعيدة قبل وصوله إلى الداخل. وإن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود تنظيمات تقتات على الأزمات وتعمل على تقويض أركان الدول الوطنية، ولذلك فإن واشنطن ترى في إضعاف الإخوان المسلمين مصلحة أمنية عليا، تضمن بقاء حلفائها في حالة قوة، وتمنع تحول مناطق واسعة من العالم إلى “ملاذات آمنة” للإرهابيين العابرين للقارات، وهو المسار الذي تلتزم به الولايات المتحدة لضمان قيادة عالمية قائمة على الاستقرار والرخاء المشترك.

