ذات صلة

جمع

البرهان والهاوية.. كيف دفعت السياسات العسكرية السودان نحو فخ الإرهاب العابر للحدود؟

يواجه السودان اليوم منعطفًا تاريخيًا هو الأخطر في مسيرته الحديثة، حيث تحولت أحلام التغيير الديمقراطي إلى كابوس مرعب من الفوضى العسكرية والانهيار الأمني الشامل الذي يهدد بقاء الدولة ككيان موحد.

إن السياسات التي انتهجتها القيادة العسكرية برئاسة عبد الفتاح البرهان، القائمة على التمسك بالسلطة وتغليب منطق الحسم العسكري على الحلول السياسية، لم تؤدِ فقط إلى تدمير البنية التحتية وتهجير الملايين، بل فتحت أبواب السودان على مصراعيها أمام شبح الإرهاب العابر للحدود.

وقالت مصادر: إن هذا التدهور لم يكن صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لاستراتيجية “الأرض المحروقة” والاعتماد المتزايد من قبل الجيش على مليشيات وكتائب مسلحة تدين بالولاء للنظام السابق، مما خلق واقعًا أمنيًا هشًا تتقاطع فيه مصالح الجنرالات مع طموحات جماعات الإسلام السياسي التي تحاول العودة إلى المشهد عبر بوابة الحرب.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبرز مخاوف دولية حقيقية من تحول السودان إلى ملاذ آمن لبقايا تنظيمات متطرفة مثل “داعش” و”القاعدة”، والتي بدأت بالفعل في التقاط إشارات الفوضى ودعوة عناصرها للهجرة إلى السودان، مما يضع البرهان والقيادة العسكرية في قفص الاتهام التاريخي بتسليم سيادة البلاد لمنظومات العنف والتطرف.

تحالف الضرورة التخريبية

تعتبر العودة القوية لعناصر النظام السابق والجماعات المرتبطة بتنظيم الإخوان إلى صدارة المشهد العسكري والسياسي في السودان من أبرز ملامح الفشل في إدارة الدولة خلال فترة الحرب.

لقد لجأ البرهان إلى استدعاء “كتائب الظل” والميليشيات العقائدية التابعة للحركة الإسلامية لتعويض النقص في القوى البشرية وتثبيت دعائم حكمه، وهو ما منح هذه الجماعات فرصة ذهبية لاستعادة نفوذها المفقود وتوجيه بوصلة الحرب نحو أهداف طائفية وسياسية ضيقة.

هذا التحالف لم يكتفِ بتعقيد مسارات السلام، بل عمل على تسميم المناخ العام بخطاب الكراهية والتخوين، مما أدى إلى تعميق الانقسامات المجتمعية وتحويل الصراع من نزاع على السلطة إلى حرب وجودية تهدد بتفتيت النسيج الاجتماعي السوداني إلى الأبد.

إن خطورة هذا التغلغل الإخواني تكمن في كونه يمثل “البذرة الأساسية” لنمو التطرف، حيث تتقاطع أدبيات هذه الجماعات مع أهداف التنظيمات الإرهابية الدولية في خلق مناطق “فراغ سيادي” وبالفعل، رصدت تقارير استخباراتية دولية تزايد نفوذ الشخصيات المرتبطة بالتطرف داخل أروقة القرار العسكري في بورتسودان، مما يعزز فرضية أن الجيش بات مختطفًا من قبل قوى لا تؤمن بالدولة الوطنية، بل ترى في السودان مجرد محطة ضمن مشروع عابر للحدود، هذا الارتهان لأجندة الإخوان جعل من البرهان أداة لتنفيذ سياسات تدميرية تهدف إلى قطع الطريق أمام أي تحول مدني، حتى لو كان الثمن هو تحويل السودان إلى بؤرة لتصدير الإرهاب والخراب إلى دول الجوار والمنطقة بأكملها.

كيف تحول السودان إلى بيئة جاذبة لداعش؟

أدى غياب الرؤية السياسية لدى القيادة العسكرية وإصرارها على إدارة البلاد بمنطق الثكنات إلى انهيار كامل في منظومة الضبط والربط الأمني، مما خلق مساحات شاسعة خارجة عن سيطرة الدولة، هذه “المناطق الرمادية” أصبحت اليوم مرتعًا لشبكات الجريمة المنظمة والتهريب، والأخطر من ذلك أنها باتت توفر الملاذ اللوجستي للتنظيمات الإرهابية التي تبحث عن بدائل بعد تضييق الخناق عليها في مناطق أخرى.

إن التصنيفات الدولية الأخيرة للسودان كمنطقة “تهديد إرهابي متجدد” تعكس حجم الفوضى التي خلفها الصراع المسلح، حيث يتم استغلال الانفلات الأمني وسهولة اختراق الحدود لتجنيد العناصر وتدريبهم، بعيدًا عن أعين الرقابة الدولية التي انشغلت بالأزمات الإنسانية المتلاحقة.

وعلاوة على ذلك، فإن اعتماد الجيش على تسليح المدنيين وتشكيل ما يسمى بـ “المقاومة الشعبية” دون ضوابط قانونية أو عسكرية، أدى إلى انتشار السلاح بشكل مرعب في يد جماعات غير منضبطة تتبنى أفكارًا متطرفة.

هذا المشهد يكرر سيناريوهات دول أخرى انهارت فيها المؤسسات الأمنية لتتحول إلى ساحات حرب مفتوحة للقاعدة وداعش، حيث يتم تطبيع أنماط من العنف الوحشي الذي لم يعهده المجتمع السوداني من قبل.

إن البرهان، من خلال تفكيكه الممنهج لما تبقى من هيبة الجيش وتحويله إلى مظلة للمليشيات، يتحمل المسؤولية المباشرة عن تحويل السودان من دولة كانت تسعى للاندماج في المجتمع الدولي إلى “دولة مارقة” أمنيًا، يخشى العالم بأسره من تداعيات انهيارها الوشيك.

مقامرة الممرات البحرية: ورقة البحر الأحمر في حسابات البرهان الخطيرة

في محاولة يائسة لفك العزلة الدولية والحصول على دعم عسكري وبقاء سياسي، بدأ البرهان والقيادة العسكرية في اللعب بورقة الموقع الجيوسياسي للسودان، وتحديدًا الساحل الطويل على البحر الأحمر. إن التلويح بمنح موطئ قدم لقوى إقليمية ودولية مثيرة للجدل، والتقارب المشبوه مع أنظمة تدعم الميليشيات العابرة للحدود، يمثل مقامرة كبرى بأمن الملاحة الدولية، هذا التوجه لا يهدد فقط التوازنات الإقليمية، بل يفتح الباب أمام تحول سواحل السودان إلى منطلق لعمليات القرصنة أو الاستهداف الإرهابي للسفن التجارية وناقلات الطاقة العالمية، مما يضع السودان في قلب مواجهة أمنية مفتوحة مع القوى الكبرى التي تعتبر أمن البحر الأحمر خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.

إن استخدام “ورقة البحر الأحمر” كمادة للمساومة السياسية يعكس مدى استهتار القيادة العسكرية بالمصالح الوطنية العليا، حيث يتم رهن مقدرات البلاد الاستراتيجية مقابل وعود بالبقاء في السلطة، هذا السلوك يغذي طموحات الجماعات الإرهابية التي تسعى دائمًا لتعطيل الممرات المائية الحيوية، ويجعل من السودان حلقة ضعيفة في منظومة الأمن البحري العالمي، وإن استمرار هذا النهج، بعيدًا عن تسوية سياسية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس مدنية وعسكرية منضبطة، يعني أن السودان سيظل مصدر قلق دائم، ليس فقط بسبب الحرب الداخلية، بل بكونه منصة محتملة لتهديد الاقتصاد العالمي وتصدير الفوضى إلى قلب العالم عبر بوابته البحرية الاستراتيجية.