ذات صلة

جمع

برشلونة يسعى لإسقاط ريال مدريد في كلاسيكو الحسم

تتجه أنظار عشاق كرة القدم العالمية مساء اليوم إلى...

الأهلي يدخل ملف صفقات معقد.. بيكهام وأكرم توفيق على طاولة المفاوضات

بدأت إدارة النادي النادي الأهلي التحرك مبكرًا لحسم عدد...

سيناريوهات لقب الدوري الإنجليزي بين أرسنال ومانشستر سيتي

اشتعل الصراع على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز مع اقتراب...

ودّعي الحواجب الخفيفة.. طرق سهلة لتقويتها وتكثيفها

تسعى الكثير من النساء للحصول على حواجب كثيفة ومرتبة...

جرائم المليشيات بالعراق.. سجل أسود من الاغتيالات والنهب الممنهج لمقدرات الدولة

بينما تحاول بغداد استعادة أنفاسها وسط تجاذبات إقليمية ودولية معقدة، يبرز السؤال الذي يتردد في أزقة شارع الرشيد وقصور المنطقة الخضراء، هل تستطيع الدولة العراقية حقًا استعادة هيبتها المسلوبة أمام تغول المليشيات المسلحة؟

إن المشهد في العراق اليوم لا يشبه أي وقت مضى، حيث تحولت هذه الفصائل من “قوى مساندة” في حروب سابقة إلى إمبراطوريات اقتصادية وعسكرية تفرض إرادتها على القرار السياسي بقوة السلاح والترهيب، مما وضع الحكومة الجديدة في زاوية حرجة أمام الالتزامات الدولية والمطالب الشعبية بإنهاء ظاهرة “الدولة الموازية”.

لم يعد الأمر يتعلق فقط بجمع بنادق مبعثرة، بل بخوض معركة لفك الارتباط بين مفاصل الدولة وبين منظومة مسلحة ترى في القانون عدوها الأول، وفي الفوضى بيئتها المثالية للنمو، مما يجعل مهمة حصر السلاح بيد الدولة بمثابة “انتحار سياسي” أو “ولادة جديدة” للعراق، وهو ما سنغوص في تفاصيله عبر رصد دقيق لجرائم هذه الجماعات وتحديات تقويض نفوذها.

إمبراطوريات الدم: كيف تحولت المليشيات إلى خنجر في خاصرة العراق؟

لقد تجاوزت الجرائم التي ترتكبها المليشيات في العراق حدود الانتهاكات العابرة، لتصبح منهجية منظمة تهدف إلى تدمير النسيج المجتمعي وتقويض أي فرصة لبناء جيش وطني موحد يمتلك حصرية القوة.

بدأت هذه المأساة عبر عمليات التغيير الديموغرافي الممنهج في مناطق حزام بغداد ومحافظات ديالى وصلاح الدين، حيث مارست هذه الفصائل عمليات تهجير قسري وقتل على الهوية تحت لافتات مختلفة، مما خلق جرحًا غائرًا في الذاكرة العراقية لا يمكن اندماله بسهولة.

هذه الجرائم لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت جزءًا من إستراتيجية “التمكين” التي تتبعها المليشيات لضمان السيطرة على الأرض والمنافذ الحدودية، وتحويلها إلى ممرات آمنة للتهريب وتجارة الممنوعات التي تدر مليارات الدولارات سنويًا على قادتها، بعيدًا عن رقابة الدولة ومؤسساتها المالية.

علاوة على ذلك، برزت جرائم الاغتيالات السياسية كأداة قمعية رئيسية لإسكات الأصوات الحرة التي طالبت بالسيادة خلال انتفاضة تشرين وما تلاها؛ فاستهداف الناشطين والصحفيين والمحللين لم يكن مجرد انتقام، بل رسالة واضحة لكل من يحاول كشف ملفات الفساد المرتبطة بهذه الجماعات.

إن سياسة “تكميم الأفواه بالرصاص” جعلت من الصعب على أي حكومة التحرك بفعالية دون الاصطدام بشبكة معقدة من المصالح المسلحة التي تغلغلت في الوزارات والهيئات المستقلة، حيث باتت هذه المليشيات تمتلك أذرعًا اقتصادية تدير عقودًا حكومية ضخمة، مما يعني أن المعركة ضدها ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة قانونية واقتصادية تتطلب نفسًا طويلاً وإرادة سياسية صلبة لا تهتز أمام لغة التهديد والوعيد.

معضلة القرار السيادي: الضغوط الدولية وتحديات الداخل العراقي

تقف الحكومة العراقية الحالية أمام اختبار هو الأصعب في تاريخ العراق الحديث، حيث تتصاعد الضغوط الأمريكية والدولية لضرورة تفكيك هذه الفصائل أو على الأقل تحجيم دورها كشرط أساسي لاستمرار الدعم الاقتصادي والأمني.

التحركات الأمريكية الأخيرة، والتي شملت فرض عقوبات على قادة مليشياويين وشبكات مالية تابعة لهم، وضعت الحكومة في موقف لا تحسد عليه؛ فإما المضي قدمًا في إجراءات حقيقية لحصر السلاح وضمان استقرار الاستثمارات الأجنبية، أو المخاطرة بعزلة دولية قد تؤدي إلى انهيار اقتصادي شامل.

المشكلة تكمن في أن المليشيات ليست مجرد قوى خارجية، بل هي متغلغلة في العملية السياسية وتمتلك تمثيلاً برلمانيًا يمنحها القدرة على عرقلة القوانين أو حتى إسقاط الحكومة إذا شعرت بتهديد جدي لمصالحها.

إن نجاح الحكومة في كسر شوكة المليشيات يتوقف على قدرتها في تعزيز دور المؤسسات الأمنية الرسمية، مثل الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب، ومنحها الصلاحيات الكاملة لملاحقة السلاح المنفلت دون خطوط حمراء.

لكن الواقع يشير إلى أن هذه المليشيات استطاعت عبر سنوات من السطوة بناء منظومة استخباراتية ومراكز احتجاز سرية تتحدى سلطة القضاء، مما يجعل المواطن العراقي يشعر باليأس من إمكانية المحاسبة، لذا، فإن أي تحرك حكومي لا يبدأ بتجفيف منابع التمويل وقطع خيوط الارتباط مع القوى الإقليمية التي توفر الغطاء السياسي لهذه الفصائل، سيظل مجرد مناورة تكتيكية لن تغير من واقع الحال شيئًا، وسيبقى السلاح المنفلت هو الحاكم الفعلي الذي يقرر مصير السلم والأمن في بلاد الرافدين.