في وقت كان العالم ينتظر فيه خروج السودان من نفق الديكتاتورية المظلم، استيقظ السودانيون على دوي المدافع وصافرات الطائرات المسيّرة التي لم تكن إلا إعلانًا عن ولادة تحالف “الضرورة” بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وفلول النظام البائد من جماعة الإخوان المسلمين.
لم يكن هذا التحالف وليد اللحظة، بل هو نتاج غرف عمليات سرية أدركت فيها الجماعة أن بقاءها مرتبط ببقاء البرهان، وأن استعادة “دولة التمكين” لا تمر إلا عبر بحار من الدماء وتدمير مقدرات الدولة الوطنية.
وبينما يرزح المواطن السوداني تحت وطأة الجوع والنزوح، تُهرّب سبائك الذهب عبر قنوات التنظيم الدولي لتتحول إلى مسيّرات انتحارية تفتك بالمدنيين، في مشهد يثبت أن البقاء في السلطة لدى هذا التحالف يبرر إحراق السودان بمن فيه، وتحويله إلى ساحة لتنفيذ أجندات أيديولوجية لا تؤمن بحدود الوطن ولا بكرامة الإنسان.
عودة “التمكين” من الباب الخلفي: كيف استعاد الإخوان سطوتهم تحت عباءة البرهان؟
منذ اللحظات الأولى للصراع، بدا واضحًا أن عبد الفتاح البرهان قرر الارتماء في أحضان الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين) لضمان حاضنة سياسية وعسكرية تعوضه عن العزلة الشعبية والدولية.
لقد منح البرهان الضوء الأخضر لكتائب الظل التابعة للإخوان، مثل “كتيبة البراء بن مالك” وغيرها من المليشيات المؤدلجة، لتتغلغل في مفاصل العمليات العسكرية، بل وأصبحت هذه الكتائب هي المحرك الفعلي للقرار الميداني.
هذه العودة لم تكن مجرد مشاركة في القتال، بل كانت عملية “إعادة تمكين” ممنهجة، حيث أطلق البرهان سراح قادة النظام السابق من السجون، وأعاد عناصر الإخوان إلى المؤسسات الأمنية والاستخباراتية، مما حول الجيش السوداني من مؤسسة وطنية إلى غطاء لمليشيات التنظيم التي تسعى للانتقام من ثورة ديسمبر المجيدة وتصفية كل من طالب بالدولة المدنية.
إن الجرائم التي ارتكبها هذا التحالف تجاوزت القتال المباشر لتصل إلى استهداف البنية التحتية والمستشفيات، حيث تُستخدم المسيّرات التي يمولها الإخوان في قصف الأحياء السكنية بذريعة وجود “أهداف معادية”.
هذه العمليات الممنهجة تهدف إلى تهجير السكان وإحداث تغيير ديموغرافي يخدم مصالح الجماعة في المستقبل، في إستراتيجية تعكس فكر الإخوان التاريخي في استخدام العنف وسيلة للسيطرة السياسية.
البرهان، بدوره، يوفر الغطاء القانوني لهذه الجرائم، واصفًا قتلة الأمس بـ “المستنفرين”، في محاولة بائسة لشرعنة وجود قوى مسلحة موازية للجيش، مما يهدد وحدة السودان ويضعه على طريق التمزق والحروب الأهلية الطويلة.
سبائك الذهب المنهوبة: الوقود المالي لماكينة الحرب الإخوانية
لا يمكن فهم استمرارية الحرب في السودان دون النظر إلى “إمبراطورية الذهب” التي يسيطر عليها تحالف البرهان والإخوان.
لسنوات طويلة، كانت مناجم الذهب في السودان تُدار من قبل شركات تابعة للجهاز السري للحركة الإسلامية وقيادات في الجيش، ومع اندلاع الحرب، تحولت هذه الثروة الوطنية إلى ملكية خاصة لتمويل صفقات السلاح المشبوهة.
يتم تهريب الذهب السوداني عبر شبكات معقدة تابعة للتنظيم الدولي للإخوان ، لتُغسل الأموال في عواصم إقليمية وتُستخدم في شراء المسيرات وتكنولوجيا التجسس.
هذا النهب المنظم لمقدرات الشعب هو السبب الرئيسي وراء إطالة أمد الحرب، فالمستفيدون من “اقتصاد الحرب” لا مصلحة لهم في السلام، طالما أن الذهب يتدفق والبنادق تعمل.
هذا التمويل العابر للحدود جعل من السودان رهينة لقرار التنظيم الدولي، حيث يتم توظيف موارد البلاد ليس لتحسين حياة المواطن، بل لضمان استمرار نفوذ البرهان الذي أصبح واجهة عسكرية لمشروع الإخوان “الإسلاموي” الجديد.
إن التقارير الاستقصائية تشير إلى أن الأموال التي كان من المفترض أن تنقذ الجنيه السوداني المنهار تُضخ في غرف عمليات إعلامية وإلكترونية يديرها الإخوان من الخارج، لتزييف الحقائق وشيطنة الخصوم، وتصوير الحرب على أنها معركة من أجل “الكرامة”، بينما هي في الحقيقة معركة من أجل “الخزائن” والسيطرة على الذهب الذي يمثل شريان الحياة الوحيد المتبقي لتحالف البرهان والفلول.

