في طهران، لم تعد ‘الشبكة العنكبوتية’ وسيلة للتواصل، بل تحولت إلى حبل مشنقة يلتف ببطء حول عنق الاقتصاد المنهك، حيث كشفت مصادر أنه لليوم السبعين، يعيش الإيرانيون داخل ‘غرفة عزل’ كبرى، حيث تجمدت تدفقات البيانات وتحولت شاشات الحواسيب إلى مرايا تعكس وجوه ملايين الموظفين الذين يواجهون شبح التسريح الجماعي.
هذا الانتحار الرقمي الذي يقوده النظام ليس مجرد إجراء أمني، بل هو إعلان صريح بأن بقاء الكرسي أهم لديهم من مليارات الدولارات المهدورة ومن دماء الشركات التي تُصفى في صمت خلف ستار الحجب الحديدي.”
وقالت مصادر: إنه لم يعد قطع الإنترنت في إيران مجرد إجراء أمني مؤقت للسيطرة على الأوضاع الداخلية أو حجب الرؤية عن العالم الخارجي، بل تحول إلى “انتحار اقتصادي” متكامل الأركان، حيث تسبب هذا الانقطاع الذي دخل شهره الثالث في خسائر فادحة للقطاع الخاص، وسط تحذيرات صارخة من أصحاب الأعمال ومسؤولي الصناعة من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي حتمًا إلى موجات تسريح جماعية للعمالة وإغلاق نهائي لآلاف الشركات التي تعتمد في عيشها على التدفق الرقمي.
الحجب المتعمد كأداة للقمع
بدأت القصة حينما فرضت السلطات الإيرانية قيودًا مشددة وغير مسبوقة على الوصول إلى الشبكة العالمية منذ اندلاع التوترات العسكرية الأخيرة في أواخر فبراير الماضي، وذلك بعد أن كانت قد مارست “بروفة” القمع الرقمي بحجب الإنترنت خلال الاحتجاجات الواسعة التي اجتاحت البلاد في الأشهر السابقة، في محاولة يائسة للتغطية على حملات الاعتقال والقتل التي طالت آلاف المدنيين بعيدًا عن أعين المنظمات الدولية ووسائل الإعلام العالمية.
ورأت مصادر أن هذا الحجب المتعمد ليس مجرد صدفة تقنية، بل هو استراتيجية أمنية تهدف إلى كسر قنوات التواصل بين الداخل والخارج، مما يسمح للنظام بممارسة القمع العنيف دون توثيق رقمي فوري، إلا أن هذه “الغمامة السوداء” التي فرضها النظام لم تحجب الرؤية عن الانتهاكات فحسب، بل حجبت أيضًا شريان الحياة عن ملايين الإيرانيين الذين يعتمدون على منصات التواصل والإنترنت في تدبير شؤونهم التجارية والمالية اليومية.
وأكدت المصادر، أن هذا الانقطاع المستمر قد نجح بالفعل في تقليل الضغط الدولي المباشر مؤقتًا، لكنه في المقابل فجر أزمة ثقة عميقة بين الشعب والسلطة من جهة، وبين الاقتصاد الإيراني والمستثمرين من جهة أخرى، حيث لم يعد بإمكان أي شركة، سواء كانت محلية أو أجنبية، المخاطرة بالعمل في بيئة يمكن فيها إطفاء “الإنترنت” بضغطة زر واحدة من قبل جهات أمنية لا تعبأ بالخسائر المالية.
نزيف المليارات في طهران
ولا تتوقف أزمة الإنترنت عند حدود الصمت الرقمي، بل تمتد لتضرب لغة الأرقام في مقتل، حيث قدرت منظمة “نتبلوكس” العالمية لمراقبة الإنترنت أن هذه القيود المستمرة كلفت الاقتصاد الإيراني ما يتجاوز 2.6 مليار دولار حتى الآن، وهو رقم مرشح للارتفاع بشكل مرعب مع كل ساعة تمر والشبكة ما تزال تحت مقصلة الرقابة والحجب، مما يعمق جراح العملة المحلية التي تعاني أصلاً من تضخم غير مسبوق وعقوبات دولية خانقة.
وتشير التقارير الواردة من داخل قطاع التكنولوجيا الإيراني إلى أن الشركات الناشئة، التي كانت تمثل الأمل الوحيد للشباب في خلق فرص عمل بعيدًا عن البيروقراطية الحكومية، هي المتضرر الأكبر، حيث فقدت هذه الشركات قدرتها على الوصول إلى عملائها، وتوقفت عمليات الدفع الإلكتروني، وفشلت في الوفاء بالتزاماتها تجاه الشركاء الدوليين؛ مما أدى إلى انهيار كامل في سلاسل التوريد الرقمية داخل البلاد وخارجها.
إن خسارة 2.6 مليار دولار في غضون 70 يومًا فقط ليست مجرد إحصائية، بل هي تعبير عن آلاف البيوت التي فقدت دخلها، وآلاف المشروعات الصغيرة التي أعلنت إفلاسها، حيث تحول “الاقتصاد المقاوم” الذي يتغنى به النظام إلى “اقتصاد منهار” تحت وطأة العزلة الرقمية، مما يثبت أن النظام الإيراني يضع بقاءه السياسي فوق أي اعتبار اقتصادي، حتى لو أدى ذلك إلى إفقار الشعب وتجويعه.
القطاع الخاص على حافة الانتحار
وحذر مسؤولو الغرف التجارية والصناعية في إيران من كارثة اجتماعية تلوح في الأفق، حيث بدأ القطاع الخاص بالفعل في اتخاذ خطوات قاسية لمواجهة انقطاع الموارد، تشمل تسريح أعداد ضخمة من الموظفين والعاملين في قطاعات البرمجيات، التسويق الإلكتروني، والخدمات اللوجستية، وبحسب أصحاب الأعمال، فإن الشركة التي لا تستطيع الوصول إلى الإنترنت في عام 2026 هي شركة “ميتة إكلينيكيًا” لا يمكنها البقاء في المنافسة.
وتواجه الشركات الإيرانية أزمة مزدوجة؛ فهي من جهة لا تستطيع تسويق منتجاتها محليًا بسبب حجب المنصات الأكثر شهرة، ومن جهة أخرى لا تستطيع التواصل مع الموردين في الخارج؛ مما أدى إلى تراكم البضائع في المخازن وتوقف خطوط الإنتاج، هذا الشلل التام دفع بالكثير من العقول الشابة والمبرمجين والمبدعين إلى التفكير في الهجرة الجماعية، هربًا من “المقبرة الرقمية” التي يحاول النظام حبسهم داخلها.
إن التحذيرات من “الإغلاق الشامل” للشركات لم تعد مجرد تهديدات للضغط على السلطات، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يراه الجميع في الشوارع التجارية والمناطق الصناعية حول طهران، حيث يسود الصمت وتغلق الأبواب، في مشهد يجسد الفشل الذريع لسياسات الدولة التي تحاول إدارة القرن الحادي والعشرين بعقلية أمنية من القرون الوسطى، متناسية أن العالم الرقمي لا يمكن ترويضه بالسلاسل.
ويسعى النظام الإيراني منذ سنوات وبدعم تقني مشبوه إلى إنشاء ما يسمى بـ “الإنترنت الوطني”، وهو شبكة داخلية تسيطر عليها الدولة بالكامل وتكون معزولة عن العالم الخارجي، وما يحدث الآن من إغلاق مستمر لـ 70 يومًا يراه مراقبون بمثابة “اختبار ميداني” لمدى قدرة النظام على العيش داخل هذه الفقاعة الرقمية دون الحاجة إلى الشبكة العالمية التي يعتبرونها “أداة للتجسس الغربي”.
ولكن الواقع يثبت أن هذا “الإنترنت الوطني” ليس إلا وهمًا كبيرًا، فالاقتصاد الحديث لا يمكنه التنفس بدون تبادل المعلومات والبيانات مع المراكز المالية والتكنولوجية العالمية، ومحاولة النظام فرض بدائل محلية لمنصات التواصل والبحث قد قوبلت برفض شعبي واسع، نظرًا لضعف هذه البدائل من الناحية التقنية، وخوف المستخدمين من الرقابة اللصيقة التي تمارسها الأجهزة الأمنية على كل شاردة وواردة داخل هذه الشبكات المحلية.
إن فشل “الإنترنت الوطني” في تعويض الخسائر المليارية يؤكد أن القمع الرقمي هو طريق ذو اتجاه واحد نحو الانهيار، فإيران التي كانت تطمح لأن تكون مركزًا تكنولوجيًا إقليميًا، تجد نفسها اليوم متأخرة سنوات ضوئية عن جيرانها، حيث تهاجر رؤوس الأموال وتبحث الشركات عن ملاذات آمنة في دول تحترم حرية التدفق الرقمي، مما يترك الساحة الإيرانية خاوية إلا من الشعارات السياسية الفارغة.
مستقبل غامض
ومع دخول الانقطاع يومه السبعين، يبدو أن النظام الإيراني قد اتخذ قراره بالاستمرار في العزلة مهما بلغت التكلفة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: إلى متى سيتحمل الشارع الإيراني هذا الاختناق؟
إن الغضب الشعبي لم يعد يقتصر على المطالب السياسية فحسب، بل تحول إلى غضب معيشي يومي بسبب توقف الأعمال وضياع المدخرات، مما ينذر بانفجار قادم قد لا تستطيع أدوات القمع الرقمي أو الأمني السيطرة عليه.
إن الاستمرار في سياسة “الأرض المحروقة” رقميًا سيؤدي في النهاية إلى تجريد الدولة من أدوات قوتها الاقتصادية، وسيترك النظام وجهًا لوجه أمام ملايين العاطلين عن العمل الذين فقدوا وظائفهم بسبب “انقطاع الإنترنت”، هؤلاء الشباب الذين ترعرعوا في العصر الرقمي لن يقبلوا العودة إلى الوراء، وسيكون “الفضاء السيبراني” هو ساحة المعركة القادمة التي لن تنفع فيها لغة التهديد أو حجب المواقع.
ويظل انقطاع الإنترنت في إيران وصمة عار في جبين النظام الذي يخشى من تغريدة أو صورة، ويضحي بمليارات الدولارات وبمستقبل أجيال كاملة من أجل البقاء في السلطة، لكن التاريخ أثبت دائمًا أن إرادة الشعوب في التواصل والتحرر أقوى من كل جدران الحماية الرقمية، وأن الحقيقة ستجد طريقها دائمًا للنور، مهما طال ليل الحجب وظلام الرقابة.

