في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واتساع رقعة الضبابية في الأسواق العالمية، تتزايد التساؤلات حول متانة الاقتصاد الأمريكي وقدرته على مواصلة الصمود.
بين أرقام تبدو مطمئنة ومؤشرات إيجابية على الورق، يلوح في الأفق قلق متنامٍ من أن هذا الاستقرار قد لا يكون سوى واجهة مؤقتة تخفي اختلالات أعمق، قد تنفجر في لحظة غير متوقعة.
هذا القلق يتجسد في تحذيرات أطلقها خبراء اقتصاديون، من بينهم بول دونوفان، الذي استحضر مفهومًا لافتًا يعرف بوايل إي كايوتي، لوصف حالة “الركض في الهواء”، حيث يستمر الاقتصاد في التقدم ظاهريًا رغم غياب الأسس الصلبة التي تدعمه، قبل أن يدرك فجأة حجم الفراغ تحته ويبدأ في السقوط.
نمو مستمر أم تأجيل للأزمة؟
تشير البيانات الرسمية إلى أن الولايات المتحدة حققت نموًا اقتصاديًا بنسبة 2 بالمئة خلال الربع الأول من عام 2026، مع استمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي الذي سجل بدوره ارتفاعًا ملحوظًا.
كما أظهرت مؤشرات الاستثمار الخاص تحسنًا تدريجيًا، ما يعزز الانطباع بأن الاقتصاد لا يزال متماسكًا رغم الضغوط الخارجية.
غير أن هذه الصورة الإيجابية تخفي وراءها تحولات مقلقة في سلوك المستهلكين، إذ تشير التحليلات إلى أن جزءًا كبيرًا من هذا الإنفاق مدفوع بتراجع معدلات الادخار، في محاولة للحفاظ على مستوى المعيشة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، هذا النمط، بحسب خبراء، لا يمكن استدامته طويلًا، إذ يعتمد على استهلاك الدخل المستقبلي بدلًا من النمو الحقيقي في الدخل.
وفي هذا السياق، يبدو أن تأثير ارتفاع أسعار النفط، المرتبط بالتوترات في الشرق الأوسط، لم يظهر بالكامل بعد في المؤشرات الاقتصادية، ما يخلق فجوة زمنية بين الصدمة الفعلية وانعكاسها على الاقتصاد، هذه الفجوة هي ما يمنح الأسواق شعورًا زائفًا بالاستقرار، قبل أن تبدأ التداعيات الحقيقية في الظهور.
أسواق تتجاهل المخاطر.. إلى متى؟

ولا يقتصر هذا الانفصال عن الواقع على المستهلكين، بل يمتد إلى أسواق المال، التي تواصل تسجيل مستويات قوية رغم تصاعد المخاطر، ويشير محللون إلى أن المستثمرين يتبنون سلوكا أقرب إلى “التجاهل الواعي”، في ظل صعوبة تقييم التأثيرات الجيوسياسية المعقدة، ما يدفعهم إلى الاستمرار في الاستثمار بدلًا من الانسحاب.
هذا السلوك يعكس ثقة نسبية في قدرة الاقتصاد الأميركي على امتصاص الصدمات، مدعومًا بعوامل مثل قوة سوق العمل واستمرار الابتكار، خصوصًا في قطاعات مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، غير أن هذه الثقة قد تكون عرضة للاهتزاز إذا ما تحولت التوترات الحالية إلى أزمة طاقة حقيقية تؤثر على سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج.
ويرى مراقبون أن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في انهيار مفاجئ، بل في تباطؤ تدريجي قد يتطور إلى مرحلة أكثر هشاشة إذا استمرت الضغوط الحالية، فكلما طال أمد الاضطرابات وارتفعت أسعار الطاقة، زادت احتمالات انتقال التأثير من المستهلكين إلى الشركات، ما قد يدفع الأخيرة إلى تقليص الإنفاق والتوظيف.

