ذات صلة

جمع

سجل الاغتيالات المفتوح.. قصة 8 محاولات لتصفية دونالد ترامب منذ عام 2016

لم تعد عبارة العنف السياسي مجرد مصطلح أكاديمي في...

بعد أزمة مضيق هرمز.. لماذا يزداد القلق حول أمن مضيق ملقا؟

لم تعد أزمات الممرات المائية حبيسة النطاق الإقليمي، بل...

الإخوان المسلمون.. قرنٌ من المتاجرة بالدين وزرع بذور الفتنة في الأوطان

يمثل تاريخ تنظيم الإخوان المسلمين سلسلة طويلة من المحاولات...

بعد أزمة مضيق هرمز.. لماذا يزداد القلق حول أمن مضيق ملقا؟

لم تعد أزمات الممرات المائية حبيسة النطاق الإقليمي، بل أصبحت شرارة قد تشعل فتيل أزمات اقتصادية عالمية لا يمكن احتواؤها بسهولة، فبعد التوترات الأخيرة التي شهدها مضيق هرمز، اتجهت الأنظار نحو مضيق ملقا، الذي يعد اليوم أكثر الممرات المائية ازدحامًا وأهمية على كوكب الأرض.

حيث أشارت مراكز الأبحاث إلى أن الصراعات الأخيرة في الشرق الأوسط قد سلطت ضوءًا كثيفًا على مخاوف قديمة تتعلق بمدى صمود المضايق الآسيوية في حال اندلاع نزاع مسلح في بحر الصين الجنوبي أو حول مضيق تايوان، خاصة وأن هذه المناطق يمر عبرها ما يوازي 21 بالمئة من إجمالي التجارة البحرية العالمية؛ مما يجعل أي اضطراب في ملقا بمثابة شلل نصفي للاقتصاد العالمي الذي يعتمد بشكل أساسي على سلاسل التوريد العابرة للقارات.

الجغرافيا السياسية لمضيق ملقا

حيث يعتبر مضيق ملقا، الذي يمتد بطول يصل إلى نحو 900 كيلومتر، المعبر الرئيسي الذي يربط بين المحيطين الهندي والهادئ، محاطًا بأربع دول رئيسية هي إندونيسيا، تايلاند، ماليزيا، وسنغافورة.

ويمثل هذا الممر أقصر طريق ملاحي يربط بين مراكز الإنتاج في شرق آسيا وبين أسواق الاستهلاك في الشرق الأوسط وأوروبا.

وتقدر الإحصائيات الحديثة لعام 2026 أن نحو 22 بالمئة من التجارة العالمية تمر عبر هذا الشريان الحيوي، بما في ذلك شحنات النفط والغاز المسال المتجهة من دول الخليج العربي إلى القوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية.

وتؤكد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، أن ملقا تجاوز رسميًا مضيق هرمز ليصبح أكبر “ممر لعبور النفط” في العالم، حيث لم تعد هناك بقعة مائية تضاهيه في حجم التدفقات النفطية اليومية.

ملقا يتفوق على هرمز في تدفقات النفط

وأظهرت البيانات الصادرة في النصف الأول من عام 2026 عن قفزة هائلة في حجم الطاقة العابرة من مضيق ملقا، حيث سجل عبور نحو 23.2 مليون برميل من النفط يوميًا، وهو ما يمثل 29 بالمئة من إجمالي تدفقات النفط المنقول بحرًا على مستوى العالم، وفي المقابل، تراجع مضيق هرمز إلى المركز الثاني بمتوسط عبور بلغ 20.9 مليون برميل يوميًا.

وقالت مصادر: إن هذا النمو لم يقتصر على النفط فحسب، بل شمل حركة السفن التجارية بجميع أنواعها، حيث أظهرت بيانات إدارة الملاحة البحرية في ماليزيا أن أكثر من 102500 سفينة عبرت المضيق في عام 2025، ارتفاعًا من 94300 سفينة في العام الذي سبقه، ومع ذلك، تظل هناك قيود فنية تتعلق بعمق المياه “الغاطس” التي تجبر بعض السفن العملاقة على اتخاذ مسارات بديلة جنوبي إندونيسيا، مما يزيد من تكلفة الشحن ومدة الرحلة.

المخاطر الطبيعية والأمنية

كما تكمن الخطورة الفنية للمضيق في “قناة فيليبس” الواقعة ضمن مضيق سنغافورة، حيث يضيق العرض الملاحي ليصل إلى 2.7 كيلومتر فقط، مما يجعلها بمثابة “عنق زجاجة” طبيعي يزيد من احتمالات وقوع تصادمات بحرية أو حوادث جنوح قد تؤدي إلى تسرب نفطي كارثي، وبالإضافة إلى العوائق الجغرافية وضحالة المياه في بعض الأجزاء التي تتراوح أعماقها بين 25 و27 مترًا، يواجه المضيق تحديًا أمنيًا قديمًا متجددًا يتمثل في أعمال القرصنة والسطو المسلح.

وأكدت المصادر، أنه رغم تراجع الهجمات في الربع الأول من العام الحالي بفضل الجهود المشتركة لمنظمة التعاون الإقليمي لمكافحة القرصنة في آسيا، إلا أن العام الماضي شهد تسجيل أكثر من 104 هجمات إجرامية، مما يبقي شركات التأمين البحري في حالة تأهب دائم ويرفع من تكاليف التأمين على الشحنات العابرة.

ملقا كشريان حياة لا يمكن الاستغناء عنه

وكشفت المصادر، أن مضيق ملقا يمثل أهمية وجودية للصين، حيث تعتمد عليه بكين لتأمين نحو 75 بالمئة من وارداتها من النفط الخام المنقول بحرًا والقادم من الشرق الأوسط وإفريقيا.

ووفق بيانات “فورتكسا” لتتبع الناقلات، فإن أي إغلاق أو تعطيل لهذا الممر يعني دخول الاقتصاد الصيني في أزمة طاقة خانقة، وهو ما دفع القيادة الصينية للبحث عن مسارات بديلة وتقليل الاعتماد على هذا الممر، إلا أن الواقع الجغرافي يثبت أن ملقا سيظل الخيار الأول والأكثر كفاءة.

يذكر أن القلق المتزايد حول أمن مضيق ملقا يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على النظام الدولي في عام 2026، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الطموحات العسكرية، ليظل هذا المضيق الضيق هو الميزان الذي يحدد استقرار الاقتصاد العالمي أو انهياره في لحظة صدام جيوسياسي محتملة.