ذات صلة

جمع

من الخرطوم إلى طهران.. كيف تحول السودان إلى قاعدة متقدمة لنفوذ الحرس الثوري؟

تشهد الساحة السودانية تحولًا دراماتيكيًا في خارطة التحالفات العسكرية...

تونس ومعادلة الأمن الصعبة.. هل أصبحت “الذئاب المنفردة” التحدي الأكبر للدولة؟

تواجه الجمهورية التونسية، واقعًا أمنيًا يتسم بالتعقيد الشديد في...

التكنولوجيا في مواجهة التهريب.. هل تلجأ دمشق وبيروت للمراقبة التقنية لضبط الحدود؟

عقدت السلطات السورية واللبنانية سلسلة من المباحثات الأمنية واللوجستية...

الأمن قبل السياسة.. لماذا تراهن البعثة الأممية على توحيد التشكيلات العسكرية في ليبيا أولاً؟

يشهد الملف الليبي تحولاً جوهرياً في استراتيجية التعامل الدولي...

من الخرطوم إلى طهران.. كيف تحول السودان إلى قاعدة متقدمة لنفوذ الحرس الثوري؟


تشهد الساحة السودانية تحولًا دراماتيكيًا في خارطة التحالفات العسكرية والسياسية، حيث برز إلى العلن تحالف “مثلث الضرورة” الذي يجمع بين قيادة الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وتنظيم الإخوان المسلمين عبر واجهاته المختلفة، والنظام الإيراني.


هذا التقارب الذي بدأ كتعاون تقني وعسكري لمواجهة التحديات الميدانية، سرعان ما تحول إلى شراكة استراتيجية تثير مخاوف عميقة لدى القوى الإقليمية والدولية.


إن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بقوة في مراكز الدراسات الأمنية هو: هل نجحت طهران في تحويل السودان إلى منصة انطلاق جديدة لنفوذ الحرس الثوري الإيراني في القارة الأفريقية وعلى ضفاف البحر الأحمر؟ وما هو الثمن الذي سيدفعه الشعب السوداني نتيجة هذا الارتهان لمحور طالما ارتبط اسمه بـ”تصدير الفوضى” وتفتيت الدول الوطنية؟


عودة “فلول” الإخوان وبوابة طهران


لا يمكن فهم التحول الحالي في موقف البرهان دون النظر إلى الدور المحوري الذي لعبه تنظيم الإخوان المسلمين في السودان لإعادة بناء الجسور مع طهران، فمنذ سقوط نظام البشير، سعى الإخوان لاستعادة نفوذهم المفقود من خلال التغلغل في مفاصل المؤسسة العسكرية، وتصوير أنفسهم كحليف وحيد قادر على توفير الدعم العسكري واللوجستي.


لقد كان الإخوان هم “العراب” الحقيقي لصفقات المسيّرات الإيرانية من طراز “مهاجر 6” وغيرها، والتي دخلت الخدمة في العمليات العسكرية الأخيرة.


وترى مصادر أن التنظيم استغل حاجة البرهان لقلب موازين القوى الميدانية ليمرر أجندته القديمة المتمثلة في ربط السودان بالمحور الإيراني، وهو المحور الذي وفر للنظام السابق في عهد البشير الحماية والخبرات القمعية لعقود من الزمن، مما يشير إلى محاولة استنساخ النظام القديم بنسخة أكثر راديكالية وارتهانًا للخارج.


الحرس الثوري في غرف عمليات البرهان


تشير تقارير استخباراتية متواترة إلى وجود خبراء من الحرس الثوري الإيراني ومنظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية داخل غرف عمليات متقدمة في بورتسودان ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الجيش. هؤلاء الخبراء لا يكتفون بتقديم الدعم التقني لتشغيل الطائرات المسيّرة، بل يشرفون على تدريب ميليشيات عقائدية تابعة لتنظيم الإخوان تم دمجها تحت مسمى “المقاومة الشعبية”.


إن هذا التغلغل الإيراني يتجاوز الجانب العسكري المباشر ليصل إلى الجانب الاستخباراتي، حيث تسعى طهران لجمع بيانات دقيقة حول الملاحة في البحر الأحمر وتأمين موطئ قدم دائم لها بالقرب من الممرات المائية الحيوية. هذا التواجد يمثل “خرقًا سياديًا” كاملًا، حيث أصبح القرار العسكري والسياسي في الخرطوم (أو بورتسودان حاليًا) مرتهنًا لتقديرات الحرس الثوري الذي يسعى لاستخدام ورقة السودان في صراعه الأوسع مع القوى الدولية والإقليمية.


جرائم السلاح الإيراني وتكلفة الدم السوداني


إن دخول السلاح الإيراني إلى خط المواجهة في السودان لم يمر دون تكلفة إنسانية باهظة، حيث تسببت الهجمات العشوائية للمسيّرات والمدفعية التي يشرف عليها خبراء إيرانيون في سقوط مئات الضحايا من المدنيين وتدمير البنى التحتية الحيوية.


وتُتهم القوى المتحالفة مع البرهان (خاصة الكتائب الإخوانية) باستخدام هذه الأسلحة لفرض واقع أمني جديد يقوم على “الأرض المحروقة”، وهو ما يُصنّف في القوانين الدولية كجرائم حرب وممارسات ضد الإنسانية.


إن إيران التي تمد هذه الأطراف بالسلاح لا تأبه لمستقبل الاستقرار في السودان، بل ترى في دماء السودانيين مجرد وقود لتعزيز أوراقها التفاوضية.
وتؤكد المصادر أن البرهان، بفتحه الباب لطهران، قد منح غطاءً شرعيًا لممارسات إجرامية تستهدف النسيج الاجتماعي السوداني وتعمّق من أمد الحرب الأهلية التي أكلت الأخضر واليابس.


تهديد أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية


تمثل الرغبة الإيرانية في الحصول على قاعدة عسكرية أو تسهيلات بحرية على ساحل البحر الأحمر السوداني جوهر المؤامرة الحالية، فمن خلال البرهان والإخوان، تسعى طهران لتطويق المنطقة العربية من الجهة الغربية، بعد أن أحكمت قبضتها عبر الحوثيين في اليمن على الجهة الشرقية.


إن تحويل السودان إلى “قاعدة متقدمة” للحرس الثوري يعني مباشرة تهديد أمن التجارة العالمية وقناة السويس، وهو أمر لن تقف أمامه القوى الدولية صامتة. هذا التحالف يضع السودان في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ويعيد إلى الأذهان فترة التسعينات حينما كان السودان “دولة منبوذة” تأوي الإرهابيين وتخضع لعقوبات قاسية، ويبدو أن البرهان، مدفوعًا بنصائح الإخوان، يكرر ذات الخطأ التاريخي الذي سيدفع ثمنه السودانيون عزلةً وفقرًا لسنوات طويلة قادمة.


غسيل الأموال وتمويل الإرهاب العابر للحدود


تتزايد الشكوك حول طبيعة الصفقات المالية التي تُبرم بين طهران وقيادات في جيش البرهان بإشراف مباشر من “أباطرة المال” في تنظيم الإخوان، حيث تشير التقارير إلى استخدام شبكات معقدة لغسيل الأموال وتهريب الذهب لتمويل شراء الأسلحة الإيرانية بعيدًا عن الرقابة الدولية.


هذه العمليات لا تهدف فقط إلى تمويل الحرب، بل إلى بناء إمبراطورية اقتصادية موازية تضمن بقاء تنظيم الإخوان في السلطة حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية.


إن الالتفاف الإيراني حول البرهان يعتمد بالأساس على توفير “طوق نجاة” مالي وعسكري في وقت تضيق فيه الخيارات أمام الجيش، وهو ما جعل الدولة السودانية مجرد “رهينة” في يد محور لا يرى فيها سوى سوق للسلاح ومنصة للاستقطاب الطائفي والسياسي.


الوعي الشعبي ورفض “المشروع الإيراني”


رغم القبضة الأمنية ومحاولات الترهيب التي تمارسها أجهزة البرهان وكتائب الإخوان، إلا أن هناك وعيًا شعبيًا متزايدًا برفض هذا التحالف المشبوه، فالسودانيون الذين خرجوا في ثورة ديسمبر المجيدة للمطالبة بـ”حرية، سلام، وعدالة” لن يقبلوا باستبدال نظام قمعي بآخر أكثر راديكالية وارتباطًا بإيران.


إن محاولات “أخونة” الجيش وتحويله إلى ميليشيا عقائدية تأتمر بأمر الحرس الثوري تواجه مقاومة مدنية شرسة، حيث يدرك الشعب أن السلاح الإيراني لن يجلب الاستقرار، بل سيجلب الخراب والتدخلات الخارجية المستمرة. إن مستقبل السودان يجب أن يقرره السودانيون بعيدًا عن “خيوط العنكبوت” التي تحاول طهران نسجها حول مقدرات بلادهم، وبعيدًا عن أوهام العودة إلى السلطة التي تداعب خيال قادة الإخوان عبر فوهات البنادق الإيرانية.