ذات صلة

جمع

إجهاض الإصلاح.. لماذا يخشى البرهان من إعادة هيكلة الجيش السوداني؟

دخل السودان نفقًا مظلمًا لم تشهده البلاد في تاريخها...

مسالخ البشر في اليمن.. ما الذي يحدث خلف جدران سجون الحوثي؟

تتصاعد الصرخات من خلف قضبان السجون المظلمة التي تديرها...

صناعة الموت في موسكو.. هل نجحت روسيا في كسر حصار الإنتاج العسكري الغربي؟

تمثل عملية تسليم شركة الطائرات المتحدة الحكومية الروسية لدفعة...

تكتيك “الرذاذ الفولاذي”.. لماذا تخلت روسيا عن الرصاصة التقليدية؟

أحدثت الحرب الحديثة في أوكرانيا زلزالًا في مفاهيم التسليح...

إجهاض الإصلاح.. لماذا يخشى البرهان من إعادة هيكلة الجيش السوداني؟

دخل السودان نفقًا مظلمًا لم تشهده البلاد في تاريخها الحديث، حيث تحولت الخرطوم ومدن دارفور وكردفان إلى ساحات حرب مفتوحة، لم تكن هذه الحرب سوى نتيجة الحتمية لسنوات من التغلغل الأيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين داخل مفاصل الدولة، وبشكل أخص داخل المؤسسة العسكرية.

يقف الجنرال عبد الفتاح البرهان اليوم في مركز هذا المشهد، متمسكًا برفض قاطع لأي محاولات جادة لإعادة هيكلة الجيش، وهو الرفض الذي يراه المراقبون المحرك الأساسي لاندلاع الحرب واستمرارها، حيث يدرك البرهان تمامًا أن أي إصلاح حقيقي يعني تفكيك شبكة المصالح الإخوانية التي توفر له الغطاء السياسي والميداني، وبالتالي نهاية حقبة السيطرة العسكرية المطلقة على مقدرات الشعب السوداني.

تحالف الضرورة بين البرهان والحركة الإسلامية

لم يكن خافيًا على أحد أن تحركات البرهان منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 كانت تمهد الطريق لعودة كوادر النظام البائد “نظام البشير” إلى الواجهة، ومع اندلاع الحرب، تحول هذا التمهيد إلى تحالف علني وصريح.

يخشى البرهان من إعادة هيكلة الجيش لأنها ستكشف حجم التغلغل الإخواني في هيئة الأركان وجهاز المخابرات، فالهيكلة تعني بالضرورة “تفنيد” الرتب العسكرية التي منحت لمدنيين بناءً على الولاء التنظيمي لا الكفاءة المهنية، وهذا ما يفسر استعانة البرهان بكتائب “البراء بن مالك” وغيرها من الميليشيات المؤدلجة التي تقاتل الآن جنبًا إلى جنب مع الجيش، مما حوّل المؤسسة الوطنية إلى مظلة لحماية تنظيم سياسي يسعى للعودة إلى الحكم عبر فوهات البنادق، وهو ما يجهض أي فرصة للتحول الديمقراطي المدني.

فزاعة دمج الدعم السريع وهروب البرهان من الالتزامات

لطالما تذرع البرهان وقادة الجيش بأن أزمة السودان تكمن في وجود “جيشين”، مطالبين بدمج قوات الدعم السريع كشرط وحيد للاستقرار، لكن الحقيقة المرة التي تتكشف يومًا بعد يوم هي أن البرهان كان يستخدم هذا الملف للهروب من استحقاقات “الإصلاح الأمني والعسكري” الشامل.

إن إعادة الهيكلة الحقيقية لا تقتصر على دمج قوات، بل تشمل إخراج الجيش من النشاط الاقتصادي الذي تسيطر عليه شركات تابعة للإخوان، ووضع الميزانية العسكرية تحت رقابة وزارة مالية مدنية، وهو الأمر الذي يراه البرهان “خطًا أحمر” لأنه سيجرده من الأدوات المالية التي يشتري بها الولاءات، ولذلك فضل خيار الحرب الشاملة على تقديم تنازلات تؤدي إلى بناء جيش مهني وقومي يبتعد عن التجاذبات الحزبية الضيقة.

جرائم الإخوان في الحرب.. من التحريض إلى التخريب

منذ اليوم الأول للحرب، لعبت منصات الإخوان الإعلامية وكوادرها في الخارج والداخل دورًا محوريًا في صب الزيت على النار، حيث رصدت تقارير عديدة قيام عناصر النظام البائد بعمليات “تجييش” للمجتمعات المحلية وإثارة النعرات القبلية لضمان استمرار القتال.

تتلخص جرائم الإخوان خلال هذه الحرب في استهداف الناشطين المدنيين، واحتلال المنازل، وتحويل المرافق العامة إلى ثكنات عسكرية، فضلاً عن عرقلة كافة مبادرات السلام الدولية، لأن السلام يعني العودة لشرعية مدنية ستضع قادة التنظيم والبرهان نفسه أمام المحاسبة القانونية والجنائية.

إن خبث نوايا البرهان يتجلى في سماحه لهذه العناصر بالسيطرة على مفاصل القرار العسكري، مما جعل الجيش يبدو وكأنه “جناح عسكري للحركة الإسلامية” وليس حاميًا للوطن.

التداعيات الكارثية لرفض الإصلاح على مستقبل السودان

إن إصرار البرهان على إجهاض محاولات إعادة هيكلة الجيش أدى إلى تفتت النسيج الاجتماعي السوداني، حيث تحولت الحرب إلى صراع وجودي يهدد وحدة البلاد.

يدرك البرهان أن أي عملية إصلاح ستشمل مراجعة “الجرائم المرتكبة” خلال سنوات حكمه، بما في ذلك فض اعتصام القيادة العامة، لذا فهو يرى في استمرار الحرب وسيلة للبقاء في السلطة وحماية نفسه من الملاحقة.

هذا الرفض المتصلب للإصلاح هو الذي فتح الباب أمام التدخلات الخارجية وحول السودان إلى بؤرة للصراعات الإقليمية، مما دفع بالملايين إلى النزوح والمجاعة، بينما ينشغل قادة الجيش بتوطيد علاقاتهم مع بقايا النظام القديم لضمان عدم حدوث تغيير جذري يقتلع جذور الفساد العسكري والسياسي.