على مدار عقود، ظل لبنان يرزح تحت وطأة مشروع إقليمي توسعي تقوده إيران عبر ذراعها العسكري الأبرز “حزب الله”، مما حوّل هذا البلد الذي كان يُعرف بـ”سويسرا الشرق” إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتصدير الأزمات.
إن الجرائم التي ارتكبها هذا التحالف لا تقتصر فقط على العمليات العسكرية المباشرة، بل تمتد لتشمل تقويض ركائز الدولة اللبنانية، واستلاب قرارها السيادي، وجعله رهينة في يد المرشد الإيراني.
لقد أثبتت الوقائع الميدانية، وآخرها “حرب مارس” الدامية، أن حزب الله لا يتردد في التضحية بأرواح آلاف اللبنانيين وتدمير بنيتهم التحتية في سبيل تخفيف الضغط عن طهران أو الرد على استهداف قيادات إيرانية، وهو ما تجلّى بوضوح عندما انخرط الحزب في صراع مدمر تسبب في مقتل الآلاف وتشريد أكثر من مليون نازح، كل ذلك دون العودة إلى مؤسسات الدولة الشرعية أو مراعاة المصالح الوطنية العليا، مما كرّس حالة من “الاحتلال المقنّع” الذي يمارسه الحزب تحت مسمى “المقاومة”.
إن فاتورة الدم التي دفعها اللبنانيون جراء هذه التبعية المطلقة لإيران كانت باهظة جدًا، حيث تحوّل الجنوب والبقاع والضاحية إلى مناطق صراع دائم، وفقدت آلاف الأسر معيليها في حروب لم يكن للبنان فيها ناقة ولا جمل.
ولم يتوقف الأمر عند حدود العمل العسكري، بل مارست الميليشيا جرائم اغتيال ممنهجة استهدفت النخب السياسية والإعلامية والأمنية التي نادت باستقلال لبنان وحياده، بدءًا من اغتيال الرئيس رفيق الحريري وصولًا إلى لقمان سليم وغيرهم الكثير.
هذه التصفيات الجسدية كانت تهدف بالأساس إلى ترهيب المجتمع اللبناني وفرض “سلطة الأمر الواقع” التي لا تقبل النقد أو المعارضة، مما خلق بيئة سياسية مشوّهة يسودها الخوف وتعطيل القانون، حيث تصبح كلمة السلاح هي الأعلى فوق صوت الدستور والمؤسسات، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى عزل لبنان عن محيطه العربي والدولي، وحرمانه من الدعم الاستراتيجي الذي كان يتلقاه من أشقائه وأصدقائه.
الانهيار الاقتصادي وجرائم التجويع الممنهج
لم تكن جرائم حزب الله وإيران في لبنان عسكرية وأمنية فحسب، بل كانت اقتصادية بامتياز، حيث لعب الحزب دورًا محوريًا في انهيار المنظومة المالية والمصرفية اللبنانية عبر إنشاء “اقتصاد موازٍ” لا يخضع لرقابة الدولة ولا يدفع الضرائب.
من خلال السيطرة على المعابر غير الشرعية والمرافق الحيوية مثل مطار بيروت ومرفئها، أدار الحزب شبكات تهريب واسعة النطاق شملت الأدوية والمحروقات والمواد الغذائية، وحتى المخدرات “الكبتاغون”، مما تسبب في وضع لبنان على القوائم السوداء الدولية.
هذا الاقتصاد الأسود لم يخدم سوى آلة الحرب التابعة للحزب وقياداته، بينما كان المواطن اللبناني البسيط يقف في طوابير الذل للحصول على لترات قليلة من البنزين أو ربطة خبز، وسط انهيار تاريخي للعملة الوطنية فقدت معه الرواتب قيمتها الشرائية، ليجد أكثر من 80% من اللبنانيين أنفسهم تحت خط الفقر نتيجة سياسات الحزب التي غلّبت مصلحة “المحور” على رغيف خبز الفقراء.
علاوة على ذلك، تسبب تورط حزب الله في الصراعات الإقليمية، من سوريا إلى اليمن والعراق، في تحميل لبنان تبعات اقتصادية وسياسية لا يطيقها، حيث فُرضت عقوبات دولية قاسية طالت قطاعات حيوية، وأدت إلى هروب الاستثمارات الأجنبية وإغلاق آلاف الشركات.
إن جريمة “تفجير مرفأ بيروت” تظل الشاهد الأكبر على استهتار هذه الميليشيا بحياة المدنيين وسلامة العاصمة، حيث تشير كافة أصابع الاتهام إلى دور الحزب في تخزين مواد خطرة لاستخدامها في صراعاته العسكرية، مما أدى إلى تدمير نصف العاصمة ومقتل المئات وتشريد الآلاف، في وقت استبسل فيه الحزب لتعطيل التحقيق القضائي ومنع المحاسبة باستخدام التهديد والوعيد.
هذا التدمير الممنهج لمركز لبنان الاقتصادي والقلب النابض لسيادته، كان يهدف في جوهره إلى إضعاف الدولة لدرجة تجعلها عاجزة عن النهوض دون الرضوخ لشروط الميليشيا وحلفائها في طهران.
القمع الاجتماعي وتدمير النسيج الوطني
على الصعيد الاجتماعي، مارست ميليشيا حزب الله جرائم “تغيير هوية المجتمع اللبناني” عبر فرض أنماط سلوكية وأيديولوجية غريبة عن طبيعة لبنان المتعددة والمنفتحة.
لقد سعى الحزب، بتمويل وتوجيه إيراني، إلى عزل بيئته الحاضنة عن بقية المكونات الوطنية، من خلال نظام تربوي وإعلامي يقدّس “الولي الفقيه” ويمجّد الموت في سبيل القضايا الإيرانية، مما أدى إلى شرخ عميق في النسيج الوطني اللبناني.
كما استغل الحزب نفوذه الأمني لملاحقة الناشطين والمدنيين في مناطق سيطرته، حيث وثّقت منظمات حقوقية حالات اختطاف وتعذيب داخل سجون سرية لا تخضع لأي رقابة قضائية، مما حوّل تلك المناطق إلى “جزر أمنية” مغلقة يُمنع فيها حتى على الأجهزة الأمنية الرسمية الدخول دون إذن مسبق من الحزب، وهو ما يمثل طعنة في خاصرة مفهوم “المواطنة” التي يتساوى فيها الجميع تحت سقف القانون.
إن استمرار سياسة “الساحات الموحّدة” التي تنتهجها إيران، جعل من لبنان “صندوق بريد” يتم عبره إرسال الرسائل الدامية، دون أي اعتبار لسيادة بيروت أو كرامة شعبها.
وقد دفع المواطن اللبناني ثمن هذه السياسة من أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه الذين هاجروا بالآلاف بحثًا عن حياة كريمة بعيدًا عن أزيز الرصاص وطبول الحروب التي لا تنتهي.
إن الجريمة الكبرى تتمثل في محاولة إقناع اللبنانيين بأن وجود هذا السلاح المنفلت هو “حماية” لهم، بينما أثبتت الأيام أن هذا السلاح هو السبب الأول في استدراج الحروب، والسبب الرئيس في منع قيام دولة قوية قادرة على حماية حدودها ومواطنيها. إن لبنان اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تتطلب عملية الإنقاذ الوطني مواجهة صريحة مع هذا التغوّل الإيراني واستعادة القرار الوطني المختطف، لإعادة بناء ما دمرته سنوات التبعية والارتهان.
إن سجل جرائم حزب الله وإيران في لبنان هو سجل أسود يفيض بالدموع والدمار والضياع. إن تحرير لبنان من هذه الوصاية القاتلة هو الممر الإلزامي الوحيد لاستعادة الازدهار والكرامة. فلبنان الذي قاوم الاحتلال والظلم عبر تاريخه، لا يمكن أن يقبل بالبقاء ساحة مستباحة لطموحات إمبراطورية أيديولوجية غريبة عنه، وإن المسؤولية تقع على عاتق اللبنانيين أولًا، والمجتمع الدولي ثانيًا، لتجفيف منابع تمويل هذه الميليشيات ورفع الغطاء السياسي عنها، ودعم الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية لتكون هي المرجعية الوحيدة والنهائية للسلاح والقرار، لينعم لبنان أخيرًا بالسلام الذي استعصى عليه طويلًا بسبب تجار الحروب ووكلاء الدمار.

