ذات صلة

جمع

أقنعة “النهضة” المتساقطة.. كيف سقطت أوهام “الخلافة” والتمكين في تونس؟

تعد التجربة التونسية مع تنظيم الإخوان المسلمين، ممثلاً في...

من بغداد إلى بيروت..كيف تدمر الميليشيات النسيج الاجتماعي عبر “التحريض الطائفي”؟

يمثل تغول الميليشيات والفصائل المسلحة في العراق ولبنان التحدي...

من الخرطوم إلى طهران.. كيف تحول السودان إلى قاعدة متقدمة لنفوذ الحرس الثوري؟

تشهد الساحة السودانية تحولًا دراماتيكيًا في خارطة التحالفات العسكرية...

تونس ومعادلة الأمن الصعبة.. هل أصبحت “الذئاب المنفردة” التحدي الأكبر للدولة؟

تواجه الجمهورية التونسية، واقعًا أمنيًا يتسم بالتعقيد الشديد في...

صمت المدافع وصراخ الاحتياج.. لماذا لا تزال غزة تعيش كارثة إنسانية بعد أشهر من الهدنة؟

رغم مرور ستة أشهر على صمت المدافع وتوقف العمليات العسكرية بين إسرائيل وحركة حماس، إلا أن قطاع غزة لا يزال يرزح تحت وطأة كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث لم تنتهِ محنة النازحين بوقف الحرب، بل تحولت إلى صراع يومي من أجل البقاء في بيئة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة البشرية.

وتشير تقارير وكالات الإغاثة الدولية إلى أن نحو مليوني شخص في غزة لا يزالون يعيشون في ملاجئ مؤقتة وخيام متهالكة، وسط وضع إنساني يوصف بأنه “الأكثر مأساوية في التاريخ الحديث للقطاع”.

إن توقف القصف لم يعنِ عودة الناس إلى منازلهم، ببساطة لأن تلك المنازل قد سُوِّيت بالأرض، مما جعل خيار النزوح الطويل هو الواقع الوحيد المتاح أمام آلاف العائلات التي فقدت كل ما تملك، لتجد نفسها حبيسة مناطق الإيواء المزدحمة في جنوب القطاع، خاصة في خان يونس ورفح والمناطق الساحلية التي تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وفي ظل هذا التدهور المستمر، ينهمك عناصر الإغاثة والفرق الفنية حالياً في سباق مع الزمن لتركيب بيوت مؤقتة مصنوعة من الألياف الزجاجية “الفايبر جلاس” بهدف توفير بديل أكثر صموداً أمام عوامل المناخ القاسية مقارنة بالخيام القماشية.

ويؤكد المسؤولون في المنظمات الأممية أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، تظل حلولاً ترقيعية لا تعالج أصل المشكلة، وهي غياب عملية إعادة إعمار شاملة تسمح للمواطنين باستعادة حياتهم الطبيعية. فالحياة داخل ملاجئ الألياف الزجاجية تظل حياة “مؤقتة” يسكنها القلق الدائم من المستقبل، بينما يظل صراخ الاحتياج للغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب هو الصوت الأعلى في مخيمات النزوح التي تحولت إلى مدن من الركام واليأس، بانتظار حلول سياسية واقتصادية تنهي معاناتهم التي طال أمدها وتجاوزت كل حدود الاحتمال البشري.

خطة البيوت الزجاجية في خان يونس

أطلق أليساندرو ماركيش، رئيس مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في غزة، خطة طموحة تهدف إلى بناء حوالي 4000 وحدة سكنية مصنوعة من الألياف الزجاجية في منطقة “المحررات” غرب خان يونس.

وصُمِّمت هذه الوحدات لتوفير قدر من الكرامة والخصوصية للعائلات التي تواجه ظروفاً شديدة الصعوبة، حيث تتألف الوحدة من جدران ونوافذ صغيرة وسقف ثابت، مما يحمي السكان من رياح الساحل العاتية والأمطار الشتوية التي كانت تمزق الخيام التقليدية باستمرار.

ويعمل العمال في الموقع بجد لتثبيت هذه الوحدات وفرشها بالسجاد والوسائد، في محاولة لخلق بيئة تشبه “البيت” ولو بالحد الأدنى، لمساعدة النازحين على الاستقرار النفسي والبدني بعد أشهر طويلة من التشريد والتنقل القسري تحت وطأة القصف والنزوح المتكرر.

الحماية والخصوصية المفقودة

تُعد قضية الخصوصية والكرامة من أبرز التحديات التي واجهت النازحين في غزة طوال فترة الحرب وما بعدها؛ ففي الخيام الجماعية والمراكز المزدحمة، تلاشت تماماً الحواجز بين العائلات، مما أدى إلى أزمات اجتماعية ونفسية حادة.

ويرى ماركيش أن وحدات الألياف الزجاجية، رغم بساطتها، توفر جدراناً صلبة تسمح للعائلات بالانعزال والحصول على مساحة خاصة، وهو ما يُعد نقلة نوعية مقارنة بالخيام. ومع ذلك، يشدد ماركيش على أن هذه المنازل ليست بديلاً عن الإعمار، بل هي مجرد “وسيلة حماية” خلال فصل الشتاء وتدبير مؤقت ريثما تبدأ عملية التعافي الكبرى التي تحتاج إلى مليارات الدولارات وإرادة دولية لفتح المعابر وإدخال مواد البناء بكميات كافية لترميم ما دمرته الحرب.

ويبقى الوضع في غزة اختباراً صارخاً لضمير العالم؛ فبينما تتحدث الأرقام عن آلاف الوحدات المؤقتة، تتحدث الوقائع عن ملايين الأرواح المعلقة بين ذكرى الدمار وأمل الإعمار.

إن صرخة الاحتياج التي تنطلق من مخيمات النازحين في خان يونس وبيت لاهيا هي نداء لإعادة بناء الإنسان قبل البنيان، وللتأكيد على أن الأمن لا يتحقق فقط بصمت المدافع، بل بتوفير سقف آمن ولقمة عيش كريمة ومستقبل يضمن للأطفال ألا تكون “الخيمة” هي سقف أحلامهم الوحيد.