ذات صلة

جمع

اليورانيوم الإيراني على طاولة التفاوض.. واشنطن تضغط وطهران تقترب من التنازل

دخل ملف اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب مرحلة جديدة من...

مخاوف من الإرهاب النووي وتصعيد جديد بين حزب الله وإسرائيل

تشهد الحدود اللبنانية الإسرائيلية تصعيدًا متواصلاً يعيد المخاوف من...

أميركا تؤكد منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتكشف تطورات المفاوضات

كشفت تسريبات أميركية عن ملامح تفاهم مرتقب بين واشنطن...

سوق الولاءات المفتوح.. كيف يشتري البرهان ذمم القادة الميدانيين لتغطية الهزائم؟

أثارت الطريقة الاحتفائية التي قدم بها الجيش السوداني انشقاق...

وطن تحت الأنقاض.. هل ينجو لبنان من مقصلة الحرب والجوع والتمزق الطائفي؟

لم تعد الحرب الدائرة في لبنان مجرد مواجهة عسكرية على الحدود، بل تحولت إلى زلزال شامل يضرب الأسس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذا الوطن المنهك.

إن المشاهد القادمة من الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، حيث تتراكم الأنقاض وتختلط دماء المدنيين بركام المنازل، تعكس صورة وطن يئن تحت وطأة آلة حربية لا ترحم، في ظل صمت دولي وعجز محلي مطبق، وبينما تتصاعد أعمدة الدخان في سماء بيروت، يجد المواطن اللبناني نفسه عالقًا بين سندان القصف الإسرائيلي العنيف ومطرقة الانهيار الداخلي الذي تجاوز حدود الفقر ليصل إلى حافة الجوع الجماعي.

حيث أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة وسط هذا الركام ليس فقط متى ستتوقف المدافع، بل هل سيبقى هناك لبنان الذي نعرفه بعد أن تضع هذه الحرب أوزارها، أم أن مقصلة التمزق الطائفي والجوع ستجهز على ما تبقى من هذا الوطن الذي كان يومًا منارة للشرق؟

فاتورة الدم والدمار: جغرافيا الرماد وتآكل العمران

تجاوزت الحرب الحالية في قسوتها كل التوقعات، حيث لم تكتفِ باستهداف المواقع العسكرية، بل امتدت لتطال البنية التحتية والمناطق السكنية المكتظة، مما حوّل قرى بأكملها في جنوب لبنان إلى أثر بعد عين.

إن استراتيجية “الأرض المحروقة” التي تنتهجها إسرائيل أدت إلى تدمير آلاف الوحدات السكنية والمنشآت الحيوية، مما رفع فاتورة إعادة الإعمار إلى أرقام فلكية لا تستطيع الدولة اللبنانية المفلسة تحملها، ومع تزايد أعداد الشهداء والجرحى الذين تكتظ بهم المستشفيات المنهكة أصلاً، تبرز كارثة إنسانية تتمثل في نزوح أكثر من مليون لبناني من قراهم ومدنهم، ليفترشوا الطرقات والساحات العامة في ظروف تفتقر لآدنى مقومات الكرامة البشرية.

هذا الدمار الممنهج لا يهدف فقط إلى الضغط العسكري، بل يسعى إلى كسر إرادة المجتمع اللبناني وتحويله إلى مجتمع مهجر يبحث عن لقمة عيشه تحت الأنقاض، وهو ما يضع النسيج الاجتماعي أمام اختبار قاصٍ قد لا تنجو منه الهوية الوطنية الموحدة.

شبح الجوع: حين يصبح الرغيف أغلى من الروح

بالتوازي مع القصف الجوي، تشتد وتيرة “حرب الجوع” التي تنهش أمعاء اللبنانيين، حيث أدت الحرب إلى شلل شبه كامل في القطاعات الإنتاجية والزراعية، لا سيما في سهول الجنوب والبقاع التي تعتبر سلة غذاء لبنان.

إن إغلاق المعابر وتضرر سلاسل الإمداد، مترافقًا مع الانهيار التاريخي للعملة الوطنية، جعل تأمين الوجبة اليومية حلمًا بعيد المنال لغالبية العائلات اللبنانية، وإن المؤسسات الدولية تطلق صرخات تحذير متتالية من وصول لبنان إلى مرحلة انعدام الأمن الغذائي الشامل، حيث تآكلت القدرة الشرائية بشكل مرعب، وباتت الأسواق تفتقر للمواد الأساسية، هذا الجوع لا يهدد الأجساد فقط، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام الفوضى الأمنية والاجتماعية، حيث يدفع الفقر المدقع بالناس نحو اليأس، مما قد يولد انفجارًا شعبيًا داخليًا يكون أكثر تدميرًا من الصواريخ والقذائف، خاصة وأن الدولة الغائبة لم تعد تملك أي شبكات أمان تحمي الفقراء من مقصلة العوز.

التمزق الطائفي: خطر الانزلاق نحو الفتنة الكبرى

لا تقتصر مخاطر الحرب على الجوانب المادية فقط، بل تمتد لتضرب العصب الحساس للبنان وهو “التعايش الطائفي”.

ومع تزايد ضغوط النزوح وتمركز المهجرين في مناطق ذات ألوان طائفية مختلفة، بدأت تبرز على السطح حساسيات قديمة وخطاب تحريضي يغذي الانقسام.

إن استثمار بعض الأطراف في آلام الناس لتحقيق مكاسب سياسية، أو محاولة تحميل طائفة بعينها مسؤولية ما يحل بالبلاد، يضع لبنان على فوهة بركان من الفتنة الداخلية.

إن التمزق الطائفي هو السلاح الأمضى الذي يهدد بتفتيت ما تبقى من هيكل الدولة، حيث تتحول مراكز الإيواء والمناطق المضيفة إلى ساحات للاحتكاك المذهبي إذا لم يتم تدارك الأمر بوعي وطني جامع.

إن التاريخ اللبناني يعلمنا أن الحروب الخارجية غالبًا ما كانت تترك جروحًا داخلية غائرة، والأخطر اليوم هو أن يتحول لبنان من ساحة صراع إقليمي إلى غابة من الكانتونات المتناحرة التي تأكل بعضها البعض في غياب السلطة المركزية القوية.

الخروج من النفق.. هل تنجح الدبلوماسية في إنقاذ ما تبقى؟

رغم سوداوية المشهد، ما يزال هناك بصيص أمل معلق على التحركات الدبلوماسية الدولية والعربية التي تسعى لفرض وقف إطلاق نار فوري وتطبيق القرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1701، إلا أن الحل السياسي لن يكون كافيًا وحده إذا لم يترافق مع خطة إنقاذ اقتصادية عاجلة تمنع انهيار المجتمع اللبناني من الداخل.

إن إنقاذ لبنان يتطلب أولاً استعادة قرار الدولة وحماية السيادة الوطنية، ومنع تحويل الأراضي اللبنانية إلى منصة لتصفية حسابات الآخرين، كما يبرز دور الوعي الشعبي في رفض الانجرار خلف دعوات التفتيت والتمسك بالوحدة الوطنية كخيار وحيد للبقاء. وإن لبنان اليوم يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الذهاب نحو تسوية تاريخية تعيد بناء المؤسسات وتحمي المواطن من الجوع والحرب، أو الاستمرار في الانزلاق نحو قعر الهاوية حيث لا ينفع الندم.

إن مسؤولية الإنقاذ تقع على عاتق الجميع، قبل أن يتحول “وطن الأرز” إلى مجرد ذكرى في كتب التاريخ وتحت ركام الحروب العبثية.