ذات صلة

جمع

جنوب لبنان يدفع الثمن.. كيف حولت عمليات حزب الله القرى الحدودية إلى مدن أشباح؟

يواجه لبنان اليوم، وتحديدًا في جنوبه الصامد، واحدة من...

اختطاف المؤسسة العسكرية.. كيف يضحي البرهان باستقلال الجيش لإرضاء نظام “الفلول”؟

يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي هو الأكثر خطورة منذ استقلاله، حيث لم تعد الحرب الدائرة مجرد صراع على السلطة بين جنرالين، بل تحوّلت إلى عملية “اختطاف ممنهج” للمؤسسة العسكرية السودانية العريقة.

ويقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان في عين العاصفة، ليس كقائد يسعى لحماية الدولة، بل كطرف ضحّى باستقلالية القوات المسلحة وحيادها التاريخي لإرضاء نَهَم نظام “الفلول” البائد للعودة إلى المشهد.

إن المراقب للمشهد السوداني يدرك أن البرهان قد شرع أبواب القيادة العامة لعناصر النظام السابق “الكيزان”، الذين وجدوا في الحرب فرصتهم الأخيرة للانقضاض على ثورة ديسمبر المجيدة وتصفية القوى المدنية. وبدلًا من أن يكون الجيش مؤسسة وطنية جامعة، تحوّل في ظل السياسات الراهنة إلى مظلة تحمي كتائب أيديولوجية غريبة عن العقيدة العسكرية، مما أفقد المؤسسة هيبتها واستقلالها، وجعل قرارها رهينًا لغرف عمليات يديرها قادة النظام البائد من خلف الستار، وهو ما يضع وحدة السودان واستقراره الإقليمي في مهب رياح عاتية لا ترحم.

ارتهان القرار العسكري لـ”الفلول” وتفكيك عقيدة الجيش الوطنية

تتجلى مأساة الجيش السوداني الحالية في التخلي الواضح عن المهنية العسكرية لصالح التمكين الأيديولوجي الجديد، حيث تشير كافة الوقائع الميدانية والسياسية إلى أن البرهان قد سلّم مفاتيح “القرار السيادي” لمجموعات ضغط تنتمي للحركة الإسلامية، والتي باتت تتحكم في وتيرة الحرب والسلم بناءً على مصالحها الضيقة.

إن هذا الارتهان لم يؤدِّ فقط إلى إطالة أمد الصراع، بل تسبب في تآكل العقيدة الوطنية للقوات المسلحة. فبدلًا من التركيز على حماية الدستور والتحول الديمقراطي، انخرطت قيادة الجيش في تنفيذ أجندة انتقامية تهدف إلى استعادة امتيازات النظام السابق التي فقدها بعد ثورة 2019.

وترى مصادر أن تغلغل “الكيزان” في هيئة القيادة وتأثيرهم المباشر على التعيينات والترقيات العسكرية قد أحدث انقسامًا صامتًا داخل الرتب الوسيطة، مما يهدد بتفكك المؤسسة من الداخل وتحولها إلى مليشيات متعددة الرؤوس، تقاتل من أجل بقاء أشخاص لا من أجل بقاء وطن، وهو الثمن الباهظ الذي يدفعه الجندي السوداني البسيط في محرقة لا ناقة له فيها ولا جمل.

تجييش المدنيين وتسليح القبائل.. قنبلة البرهان الموقوتة لتدمير النسيج الاجتماعي

في محاولة يائسة لتعويض الإخفاقات الميدانية المتلاحقة، لجأ البرهان وقيادة الجيش إلى استراتيجية شديدة الخطورة تتمثل في “تجييش المدنيين” تحت مسميات “المقاومة الشعبية” و”الاستنفار”، وهي في حقيقتها دعوات أطلقها قادة النظام البائد لإغراق البلاد في حرب أهلية شاملة.

إن هذا التوجه لا يهدف فقط إلى سد العجز البشري في صفوف القوات المسلحة، بل يهدف بالأساس إلى خلق واقع اجتماعي مشوه يعتمد على السلاح بدلًا من القانون، حيث تم تسليح القبائل والمجموعات الشبابية بناءً على ولاءات عرقية وأيديولوجية، مما يمهد الطريق لسيناريوهات “الصوملة” أو “العرقنة” التي حذّرت منها القوى المدنية مرارًا وتكرارًا. وإن تضحية البرهان باستقلال المؤسسة العسكرية وفتح مخازن السلاح للمدنيين دون رقابة عسكرية صارمة يعني بالضرورة سقوط الدولة في فخ المليشيات، ويؤكد أن النظام البائد مستعد لحرق ما تبقى من السودان في سبيل العودة إلى سدة الحكم، حتى لو كان ذلك على أنقاض مؤسسة عسكرية تم تدمير مهنيتها وتاريخها لصالح مغامرات سياسية فاشلة.