ذات صلة

جمع

خطوة هولندية تفتح الملف الأوروبي.. تحركات متسارعة لتصنيف الإخوان الإرهابية

في تطور لافت داخل المشهد السياسي الأوروبي، دفعت هولندا...

لبنان على حافة الانهاك.. نزوح واسع وتمويل يتآكل تحت وطأة الحرب

يواجه لبنان واحدة من أكثر لحظاته تعقيدًا، حيث تتقاطع...

صرخة بغداد.. هل تحول العراق إلى منطقة “محظورة” دوليًا بسبب الفصائل؟

تتصاعد في أزقة بغداد وساحاتها السياسية "صرخة" مكتومة، يتردد...

اختبار الثقة في دمشق.. هل تستطيع سوريا حماية العائدين من “انتقام الدولة العميقة”؟

تمر الدولة السورية بمنعطف تاريخي يضع "الجمهورية الجديدة" بقيادة...

منبر الفتنة.. كيف يقايض البرهان أرواح السودانيين بالبقاء في السلطة؟

يواجه السودان اليوم واحدة من أحلك الفترات في تاريخه...

اختبار الثقة في دمشق.. هل تستطيع سوريا حماية العائدين من “انتقام الدولة العميقة”؟

تمر الدولة السورية بمنعطف تاريخي يضع “الجمهورية الجديدة” بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع أمام أصعب اختباراتها السياسية والأخلاقية، فمع وصول الشرع إلى العاصمة الألمانية برلين للقاء المستشار فريدريش ميرتس، لم يعد النقاش يقتصر على بروتوكولات الدبلوماسية، بل تركزت الأضواء على “ضمانات العودة” ومدى قدرة السلطة الجديدة على كبح جماح ما تبقى من “الدولة العميقة” والأجهزة الأمنية التي اعتادت لعقود على منهجية القمع.

إن ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا، والبالغ عددهم نحو 940 ألفًا، بات مرتبطًا بمدى الثقة في قدرة دمشق على التحول من “دولة أمنية” إلى “دولة قانون” قادرة على حماية مواطنيها العائدين من أي عمليات انتقامية أو ملاحقات كيدية.

دبلوماسية “الضمانات” في مواجهة إرث الخوف

تعد زيارة الشرع لبرلين محاولة لانتزاع اعتراف أوروبي كامل وتدشين مرحلة “إعادة التموضع” السوري في القارة العجوز، إلا أن العقبة الكأداء تظل في ملف “الحماية”.

برلين، التي تتجه نحو تصنيف مناطق واسعة في سوريا كـ “منشأ آمن”، تضغط للحصول على تعهدات قانونية وميدانية تمنع تعرض العائدين للمضايقات.

من جانبها، تحاول الحكومة الانتقالية في دمشق إثبات سيطرتها عبر هيكلة الأجهزة الأمنية وإطلاق منصات تواصل مثل “صوتك وصل” لتعزيز الشفافية، لكن الشكوك ما تزال تراود المنظمات الحقوقية والجالية السورية، التي ترى أن تفكيك جذور “الدولة العميقة” يحتاج إلى أكثر من مجرد وعود سياسية، بل إلى رقابة دولية صارمة تضمن سلامة كل من يقرر ركوب قطار العودة.

الاقتصاد الرقمي كدرع لحماية العائدين

تراهن دمشق على أن التنمية الاقتصادية هي الضمانة الأقوى لمنع الارتداد نحو الممارسات القمعية، حيث يبرز مشروع “سيلك لينك” باستثمارات تصل إلى 3 مليارات ريال سعودي (800 مليون دولار تقريبًا) كركيزة أساسية لتحديث البنية التحتية الرقمية.

إن إنشاء شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4,500 كيلومتر بالتعاون مع شركة “stc” السعودية ليس مجرد مشروع تكنولوجي، بل هو محاولة لرقمنة مفاصل الدولة وتقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والأجهزة البيروقراطية والأمنية.

دمشق تأمل أن يؤدي هذا الانفتاح الاقتصادي، المدعوم بوعود أوروبية بتقديم 620 مليون يورو لدعم التعافي المبكر، إلى خلق بيئة عمل شفافة تجذب الخبرات السورية المهاجرة وتوفر لها الحماية عبر “قوة القانون والاستثمار” بدلاً من “قانون القوة”.

ملف المفقودين وقضية “ميشلمان”: حجر عثرة أمام التطبيع

لا يمكن لاختبار الثقة في دمشق أن يكتمل دون إغلاق الجروح النازفة، وعلى رأسها ملف المفقودين والمعتقلين السابقين. وتبرز قضية الصحافية الألمانية “إيفا ماريا ميشلمان” كعنوان رئيسي في المحادثات السورية الألمانية، حيث تمثل كشف مصير المفقودين الأجانب والسوريين مقياسًا لمدى قطيعة نظام الشرع مع ممارسات الماضي.

إن برلين تدرك أن أي تمويل لإعادة الإعمار يجب أن يمر عبر بوابة “العدالة الانتقالية”، وهو ما يضع أحمد الشرع أمام تحدي مواجهة القوى المستفيدة من الفوضى داخل سوريا، إذا نجحت دمشق في تقديم إجابات واضحة ونهائية في هذه الملفات، فإنها ستسحب البساط من تحت أقدام المتشككين وتشرعن “دبلوماسية العودة” كواقع ملموس.

إن نتائج محادثات برلين في مارس 2026 ستحدد شكل العلاقة السورية الأوروبية للعقد القادم. فإما أن تنجح سوريا في تقديم نموذج “الدولة الآمنة” التي تحمي مواطنيها وتجذب استثمارات المليارات، أو تظل رهينة لتجاذبات “الدولة العميقة” التي قد تفجر اتفاقات العودة من الداخل.

كما أن الاستقرار الذي تنشده ألمانيا والمنطقة يتطلب شجاعة سياسية من دمشق لفتح السجون والمطارات أمام الرقابة، وتطوير تشريعات تحمي الملكية الخاصة والحرية الشخصية للعائدين وإن “دبلوماسية العودة” هي في حقيقتها رحلة لاستعادة السيادة الوطنية عبر كسب ثقة المواطن السوري أولاً، قبل كسب ثقة العواصم العالمية.