ذات صلة

جمع

رصاص الغدر في جنوب لبنان.. هل بدأت “حرب الرسائل” ضد قوات “يونيفيل”؟

شهدت منطقة جنوب لبنان تطورًا ميدانيًا خطيرًا وضع قوات...

تفكك الجبهة الداخلية.. انقسامات حادة تضرب تيار الإخوان عقب التصنيف الدولي

أحدث قرار الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين...

مستقبل مظلم تحت حكم “المرشد”.. تعيينات أمنية تخدم بقاء النظام على حساب دماء الشعوب

يمر النظام الإيراني بمنعطف تاريخي يعكس رغبته الأكيدة في الانغلاق على الذات وتكريس سلطة الفصائل الأكثر راديكالية وولاءً للمرشد الأعلى علي خامنئي، وذلك عقب الشغور الذي خلّفه غياب علي لاريجاني عن مشهد الأمن القومي.

حيث برزت شخصية سعيد جليلي كمرشح فوق العادة لتولي منصب مستشار الأمن القومي، وهو المنصب الذي يعد العصب المحرك للسياسات الإيرانية داخليًا وإقليميًا,

إن هذا التحول نحو “صقور الظلام” لا يعبر فقط عن رغبة في ملء فراغ إداري، بل يمثل استراتيجية أمنية شاملة تهدف إلى حماية بقاء النظام في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة والاحتجاجات الشعبية المكبوتة.

إن القراءة العميقة لمسار سعيد جليلي المهني تكشف عن شخصية لم تؤمن يوماً بالتفاوض كأداة لحل النزاعات، بل كوسيلة لكسب الوقت وتثبيت أركان المشروع الإيديولوجي الإيراني في المنطقة، فمنذ التحاقه بوزارة الخارجية عام 1989 وصولاً إلى تمثيله للمرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي منذ 2008.

ظل جليلي اليد الطولى التي تنفذ الأجندات العابرة للحدود، إن اختياره لهذا المنصب الحساس في هذا التوقيت بالذات، حيث تمر المنطقة بحروب وكالات مستعرة، يعني أن طهران قررت مأسسة التشدد وتحويل مجلس الأمن القومي إلى غرفة عمليات مركزية تديرها عقلية “الحرس الثوري”، وهذا التوجه يخدم في المقام الأول بقاء النظام عبر عسكرة القرار السياسي، وتجفيف أي منابع للصوت المعارض داخل مؤسسات الدولة، مما ينذر بمستقبل مظلم تزداد فيه القبضة الأمنية توحشًا ضد الشعب الإيراني الذي يدفع فاتورة هذه المغامرات السياسية من لقمة عيشه واستقرار بلاده، بينما يستمر النظام في تصدير أزماته للخارج عبر تمويل المجموعات المسلحة وزعزعة أمن واستقرار الدول المجاورة تحت ذريعة حماية الأمن القومي.

تداعيات صعود “الصقور” على الأمن الإقليمي والدولي

لا يمكن فصل تعيين سعيد جليلي في منصب سيادي عن الدور التخريبي الذي تلعبه إيران في الشرق الأوسط، حيث يُنظر إليه كقائد لأكثر فصائل النظام تطرفًا، وهو الفصيل الذي يرى في الحروب والنزاعات وسيلة مثالية لتوسيع النفوذ الإيراني.

إن وجود شخصية بمثل هذا العداء الصريح للغرب وإسرائيل في مركز القوة الرئيسي سيعقد أي مسار مستقبلي لإنهاء الصراعات، بل قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب النتائج، خاصة وأن جليلي يتبنى رؤية تعتبر أي تنازل في الملف النووي أو الإقليمي بمثابة خيانة لمبادئ الثورة.

وترى مصادر، أن هذا التحول الحاد نحو التشدد سيؤدي إلى انسداد الأفق الدبلوماسي تمامًا، مما يضع إيران في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ويزيد من احتمالات فرض عقوبات اقتصادية أكثر صرامة، ولن يتأثر بهذا الوضع سوى المواطن الإيراني البسيط الذي يرى ثروات بلاده تتبدد في صفقات تسلح ودعم لميليشيات عابرة للحدود، في وقت تعاني فيه البنية التحتية والخدمات الأساسية في الداخل من انهيار وشيك نتيجة سوء الإدارة وتغليب الأجندات العقائدية على المصالح الوطنية.

وعلاوة على ذلك، فإن الحرس الثوري الذي يمسك اليوم بمعظم السلطة الفعلية في إيران، يجد في جليلي الشريك المثالي لتنفيذ استراتيجية “الدفاع الهجومي”، حيث يتم تحويل المؤسسات الدبلوماسية إلى واجهات لتنفيذ عمليات استخباراتية وعسكرية.

إن رسالة جليلي الأخيرة التي توعد فيها “الأعداء” عقب مقتل لاريجاني، تعكس لغة الغطرسة التي يتبناها النظام لهروب من استحقاقات الفشل الداخلي، فبدلاً من مراجعة السياسات التي أدت إلى العزلة، يختار النظام الهروب إلى الأمام عبر تعيين وجوه تُجيد لغة التهديد والوعيد، وهذا النهج لا يخدم سوى بقاء فئة قليلة في السلطة تتمتع بامتيازات هائلة، بينما يعيش ملايين الإيرانيين تحت خط الفقر وبلا حقوق سياسية أو مدنية، إن مستقبل إيران في ظل هذه التعيينات يبدو قاتمًا، حيث يتم التضحية بمصالح الأجيال القادمة من أجل استمرار أيديولوجية أثبتت الأيام أنها لا تنتج سوى الفقر والدمار والعداء مع العالم.

انكسار البراجماتية وتكريس حكم الفرد

يمثل غياب علي لاريجاني، الذي كان يُنظر إليه كشخصية وسطية وعملية في بعض الأحيان، ضربة قوية لما كان يُسمى بـ “تيار العقلانية” داخل النظام الإيراني، حيث أفسح المجال تمامًا للتيار الراديكالي ليهيمن على كافة مفاصل القرار، إن صعود سعيد جليلي هو إعلان رسمي عن وفاة أي محاولة لإصلاح النظام من الداخل، وتأكيد على أن المرشد علي خامنئي لم يعد يثق إلا في الدائرة الضيقة من المتشددين الذين يؤمنون بمركزية سلطة “الولي الفقيه” المطلقة، وهذا التوجه سيزيد من حالة التفكك داخل النخبة السياسية الإيرانية.

حيث سيتم تهميش أي صوت يدعو للتهدئة أو التفاوض، مما يجعل النظام أكثر عرضة للصدمات الداخلية والخارجية نتيجة غياب المرونة السياسية، إن الإصرار على تعيين جليلي، رغم فشله المتكرر في الملفات التي أدارها سابقًا، يثبت أن الولاء الأعمى للمرشد هو المعيار الوحيد للبقاء في السلطة، وليس الكفاءة أو القدرة على تحقيق مصالح الشعب، وهو ما يعزز من حالة الاحتقان الشعبي التي قد تنفجر في أي لحظة نتيجة انسداد آفاق التغيير السلمي.