دخلت إيران في الأسبوع الثالث من “الظلام الرقمي” الشامل، حيث تواصل السلطات فرض قيود مشددة على شبكة الإنترنت؛ مما أدى إلى عزل أكثر من 90 مليون مواطن عن العالم الخارجي وعن بعضهم البعض في لحظات هي الأخطر في تاريخ البلاد الحديث.
إن هذا الانقطاع المتعمد لم يعد مجرد وسيلة لقمع الاحتجاجات كما كان في السابق، بل تحول في مارس 2026 إلى سلاح استراتيجي يستخدمه النظام لعزل الشعب عن “تحذيرات الإخلاء الدولية” التي يطلقها الجيش الإسرائيلي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما تجلى بوضوح في الإنذار الأخير الموجه لسكان المناطق الصناعية في غرب تبريز.
إن عجز المواطنين عن قراءة خرائط الإخلاء أو معرفة المسارات الآمنة للهروب من الضربات الجوية الوشيكة يضع النظام الإيراني في مواجهة اتهامات دولية صريحة باستخدام المدنيين كدروع بشرية، حيث يفضل النظام بقاء السكان في مواقعهم لعرقلة العمليات العسكرية أو لاستخدام الضحايا المدنيين كأداة ضغط إعلامي لاحقًا، وهو ما يمثل ذروة الانحدار الأخلاقي في إدارة الأزمات العسكرية الكبرى.
بين تعنت الدبلوماسية وصرخات المدنيين
في الوقت الذي يتحدث فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن “تجربة مريرة” مع المفاوضات الأمريكية ويرفض العودة إلى طاولة الحوار، تبدو الساحة الميدانية في إيران كأنها تتجه نحو انهيار شامل تحت ضغط الغارات الجوية والحصار الرقمي.
إن التصريحات الإيرانية الرسمية التي تصر على استمرار الهجمات الصاروخية ضد إسرائيل ودول خليجية تعكس انفصالاً تامًا عن الواقع المعيشي لـ 90 مليون إيراني يعانون من توقف الخدمات المصرفية، والطبية، والتعليمية التي تعتمد كليًا على الشبكة العنكبوتية، وبدلاً من السعي لتأمين ممرات آمنة أو توفير إنترنت للأغراض الإنسانية، يركز النظام جهوده على حماية المنشآت النفطية في جزيرة خارك، باعتبارها شريان الحياة الوحيد المتبقي لتمويل آلته العسكرية، مما يؤكد أن بوصلة القيادة الإيرانية تتجه نحو الحفاظ على بقاء السلطة حتى لو كان الثمن هو إبادة تجمعات سكانية كاملة في تبريز أو غيرها نتيجة جهلهم بأوامر الإخلاء العسكرية.
من جانبه، استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الظلام الرقمي ليعلن عبر منصته “تروث سوشيال”، أن إيران “هُزمت تمامًا”، مشيرًا إلى أن البحرية الأمريكية ستبدأ قريبًا في مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، وهو تصريح يحمل في طياته إعلاناً عن السيطرة البحرية والمعلوماتية الكاملة.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن النظام الإيراني يمارس جريمة مزدوجة؛ فهو من جهة يستفز القوى العظمى بهجمات المسيرات والصواريخ، ومن جهة أخرى يحرم شعبه من أبسط حقوق الإنسان في الوصول إلى المعلومات الحيوية التي قد تنقذ حياتهم.
إن استمرار هذا “الظلام الرقمي” يعني أن العالم قد لا يعرف حجم الكارثة الإنسانية الحقيقية داخل إيران إلا بعد فوات الأوان، حيث تُدفن الحقائق تحت ركام المواقع العسكرية المدمرة وفي غياهب السيرفرات المطفأة بأوامر سيادية، مما يجعل من عام 2026 عامًا فاصلاً في علاقة الشعب الإيراني بنظام يرى في وعي المواطن خطراً يفوق خطر الصواريخ المعادية.
هل تنكسر القبضة الأمنية تحت وطأة العزلة؟
إن الوضع في إيران لم يعد يحتمل المماطلة أو الشعارات الرنانة حول الصمود والتحدي، فالحقيقة الميدانية تؤكد أن البلاد تعيش حالة من “الشلل الوطني” بسبب قطع الإنترنت المتزامن مع حرب شعواء وإن عجز السكان في المناطق المستهدفة عن الاستجابة لإنذارات الإخلاء الإسرائيلية والأمريكية سيؤدي حتمًا إلى سقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين، وهو ما سيتحمل مسؤوليته التاريخية والقانونية النظام الذي أسدل ستار “الظلام الرقمي” على بلاده.
ومع تزايد دوي الانفجارات وفشل محاولات التضليل الإعلامي في إخفاء نتائج الضربات على جزيرة خارك وغيرها، قد يجد النظام الإيراني نفسه أمام “انفجار داخلي” لا يمكن كبته، حيث أن الجوع المعلوماتي والخوف من المجهول قد يدفعان الملايين إلى الشوارع في حركة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن سياسة عزل الشعب عن العالم قد تنجح في إخفاء الفشل العسكري مؤقتًا، ولكنها في نهاية المطاف تسرع من وتيرة سقوط الشرعية، محولةً إيران إلى سجن كبير مظلم ينتظر لحظة الحقيقة الكبرى وسط دخان الحروب وصمت الاتصالات.

