ذات صلة

جمع

قطيعة واشنطن وبيروت.. هل دخل لبنان نفق العزلة الدولية المظلم؟

دخلت العلاقات اللبنانية الأمريكية مرحلة غير مسبوقة من الجمود...

شرخ الهوية والتعايش.. كيف دمرت سياسات حزب الله أواصر الجوار السوري اللبناني؟

يمثل تدخل حزب الله اللبناني في الصراع السوري منذ عام 2012 نقطة تحول مأساوية في تاريخ العلاقات بين الشعبين، حيث لم يقتصر الأمر على مجرد مساندة عسكرية لنظام سياسي، بل تجاوز ذلك إلى ارتكاب سلسلة من الانتهاكات التي تركت ندوبًا عميقة في ذاكرة السوريين الجمعية، مما يهدد مستقبل السلم الأهلي لجيل كامل.

إن الانخراط المباشر في عمليات القمع، وحصار المدن، والتهجير القسري تحت دعاوى “حماية المقامات” أو “منع سقوط الدولة”، قد خلق حالة من الكراهية العميقة التي لم تكن موجودة بهذا الحجم بين الجارين، خاصة وأن الانتهاكات أخذت طابعًا طائفيًا ومنهجيًا استهدف بنى تحتية ومجتمعات محلية بأكملها.

هذه الذاكرة المشبعة بالدم لا تقتصر آثارها على الميدان العسكري، بل تمتد لتصيغ علاقة متوترة ومسحوبة بالشكوك بين اللاجئين السوريين والمجتمع اللبناني المضيف، حيث يرى الكثير من السوريين في الحزب كيانًا مسؤولاً عن ضياع بيوتهم وقتل ذويهم، مما يجعل من ملف السلم الأهلي قضية شائكة تتطلب اعترافاً صريحاً بالانتهاكات وجبرًا للضرر كخطوة أولى نحو أي مصالحة تاريخية مستقبلية.

التهجير القسري والتغيير الديموغرافي الممنهج

تعتبر مدينة القصير وريفها، ومناطق القلمون الغربي، والزبداني، شواهد حية على سياسة “الأرض المحروقة” التي انتهجها حزب الله لتأمين خطوط إمداده وضمان عمقه الاستراتيجي، وهي العمليات التي أدت إلى تهجير مئات الآلاف من السوريين ومنعهم من العودة إلى ديارهم حتى يومنا هذا.

إن تحويل هذه المناطق إلى مربعات أمنية مغلقة، وإحلال مجموعات سكانية جديدة أو تحويلها إلى قواعد عسكرية دائمة، يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني ويرقى إلى مستوى جرائم الحرب والتطهير العرقي.

هذا التغيير الديموغرافي القسري لم يدمر الحجر فقط، بل فكك النسيج الاجتماعي الذي كان يربط القرى الحدودية ببعضها البعض، مما خلق حالة من العداء الدائم لدى المهجرين تجاه الحزب وحواضنه، وهو ما سينعكس سلبًا على أي محاولة لترسيم الحدود أو إعادة بناء الثقة بين البلدين في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تظل العودة الآمنة والكريمة مرهونة بخروج هذه القوات واستعادة الدولة السورية لسيادتها على تلك المناطق.

حصار التجويع وسلاح الحرمان الممنهج

سجلت المنظمات الحقوقية الدولية انتهاكات جسيمة قام بها حزب الله خلال حصاره لمدن مثل مضايا والزبداني، حيث استخدم الحزب “سلاح التجويع” كوسيلة للضغط العسكري والسياسي، مما أدى إلى وفاة العشرات جوعًا ونقصًا في الدواء أمام مرأى ومسمع العالم.

إن هذه المشاهد الصادمة التي بُثت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأطفال تحولوا إلى هياكل عظمية، قد حفرت في الوجدان السوري صورة لحزب الله تختلف تمامًا عن الصورة التي حاول تسويقها لعقود كمدافع عن المظلومين، بل كرس نفوذه كقوة احتلال تمارس أبشع أنواع التنكيل بالمدنيين العزل.

هذا النوع من الانتهاكات لا ينسى بالتقادم، بل يغذي نزعات الانتقام ويصعب من مهام القوى الوطنية التي تسعى لبناء سلم أهلي حقيقي، إذ كيف يمكن الحديث عن تعايش مع كيان استخدم الجوع لانتزاع تنازلات سياسية وهجر عائلات بأكملها من جذورها التاريخية لمجرد وقوعها في مسار أطماعه الإقليمية.

اقتصاد الظل وتجارة الموت العابرة للحدود

ارتبط وجود حزب الله في سوريا بنشوء اقتصاد موازٍ يقوم على التهريب، والسيطرة على المعابر غير الشرعية، وإنتاج وتجارة المواد المخدرة مثل “الكبتاجون”، وهو ما أضاف بعدًا جرميًا جديدًا لانتهاكاته في سوريا.

إن تحويل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في ريف دمشق وحمص إلى معامل لإنتاج السموم وتصديرها لدول الجوار والعالم، قد دمر السمعة الاقتصادية لسوريا وأسهم في تفكك القيم الاجتماعية لدى الشباب السوري الذي وجد نفسه ضحية لهذه التجارة أو وقودًا لها.

هذه الأنشطة لم تكتفِ بتدمير الاقتصاد الوطني، بل خلقت شبكات من الميليشيات المحلية المرتبطة بالحزب والتي تمارس البلطجة والترهيب بحق المدنيين، مما حول مناطق نفوذ الحزب إلى بؤر للفوضى الأمنية والجريمة المنظمة، وهذا الإرث الجرمي سيظل عقبة كبرى أمام استعادة سيادة القانون وإعادة بناء الدولة السورية التي تحترم حقوق مواطنيها وتلتزم بالاتفاقيات الدولية لمكافحة الجريمة والاتجار بالبشر.

مستقبل العلاقات السورية اللبنانية في ظل إرث الانتهاكات

إن الحديث عن مستقبل العلاقات السورية اللبنانية لا يمكن أن يستقيم دون التطرق للمسؤولية القانونية والأخلاقية لحزب الله عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري، حيث أن تجاهل هذا الملف سيعني استمرار القنبلة الموقوتة التي قد تنفجر في أي لحظة.

السلم الأهلي في كلا البلدين مرتبط بشكل وثيق بإنهاء حالة الاستقواء بالسلاح العابر للحدود، وبناء علاقات تقوم على الندية واحترام السيادة، وهو أمر يتطلب ملاحقة المتورطين في جرائم الحرب أمام المحاكم الدولية والوطنية لضمان عدم الإفلات من العقاب.

إن الذاكرة السورية المثقلة بصور الدمار والتعذيب في سجون الحزب السرية لن تصفو بمجرد تسويات سياسية فوقية، بل تحتاج إلى مسار عدالة انتقالية شامل يضمن كشف الحقيقة وتعويض الضحايا وتفكيك الهياكل العسكرية التي تسببت في هذه المآسي، وبدون ذلك ستظل العلاقة بين دمشق وبيروت رهينة لهذا التاريخ الأسود الذي كتبه حزب الله بدم السوريين، مما يعيق أي فرصة للاستقرار الإقليمي أو النهوض المشترك للبلدين الجارين.