ذات صلة

جمع

بعد عقود من القمع.. لماذا يتزايد الحنين الشعبي لإقامة ملكية دستورية في طهران؟

تعيش إيران لحظة فارقة تتجاوز مجرد الصراع العسكري مع القوى الدولية، لتصل إلى عمق أزمة الهوية والشرعية السياسية التي يواجهها نظام الولي الفقيه منذ عقود.

إن الحقيقة الجلية التي تفرض نفسها اليوم هي أن الشعب الإيراني ليس هو النظام الحاكم، بل هو ضحيته الأولى والأكبر، حيث استنزفت السلطة مقدرات البلاد في حروب بالوكالة ومشاريع أيديولوجية عابرة للحدود، مما خلف مجتمعًا يئن تحت وطأة الفقر والعزلة.

وفي ظل هذا الانسداد السياسي، يبرز خيار إقامة ملكية دستورية تستند إلى الإطار البهلوي كأحد أكثر الخيارات استحقاقًا للدراسة الفورية، نظرًا لقدرته على تمثيل رمزية تاريخية توحد الأطياف المتناثرة تحت مظلة وطنية واحدة.

ويعتقد العديد من المحللين الاستراتيجيين أن العودة إلى الإطار البهلوي لا تعني استنساخ الماضي بحرفيته، بل تكييفه ليتلاءم مع واقع ومعايير القرن الحادي والعشرين، بحيث تكون الملكية “دستورية” تضمن الفصل التام بين السلطات وتحترم الحريات العامة.

إن هذا النموذج يقدم حلاً لإشكالية الفراغ القيادي الذي قد يعقب انهيار النظام الحالي، إذ يوفر استمرارية مؤسسية تمنع انزلاق البلاد نحو الحرب الأهلية أو التفتت العرقي.

فالشعب الإيراني الذي جرب حكم “الثيوقراطية” المتشددة بات يبحث عن نموذج حكم مدني يحترم التراث القومي الإيراني وفي الوقت ذاته ينفتح على القيم الديمقراطية العالمية والتعايش مع الجوار الإقليمي والدولي.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه هذا الطرح هو كيفية تحويل الحنين الشعبي المتزايد لعهد الاستقرار والازدهار الاقتصادي السابق إلى مشروع سياسي متكامل يحظى بقبول القوى المدنية والمعارضة في الخارج والداخل.

ومع تآكل الشرعية الشعبية للنظام الحالي، بدأت تظهر أصوات من داخل العمق الإيراني تنادي بضرورة وجود رمز وطني يجمع شتات المعارضة ويقدم رؤية واضحة لمستقبل إيران كدولة طبيعية.

إن الملكية الدستورية في نسختها الحديثة قد تكون هي الجسر الذي يعبر بإيران من نفق الصراعات الأيديولوجية المظلم إلى رحاب الدولة الوطنية التي تعنى برفاهية مواطنيها قبل تصدير ثوراتها.

آليات الانتقال والشرعية

تتطلب إقامة ملكية دستورية في إيران عام 2026 صياغة عقد اجتماعي جديد يحدد صلاحيات العرش بدقة، بحيث يمارس الملك دورًا رمزيًا سياديًا يضمن وحدة البلاد، بينما تترك شؤون الحكم والإدارة لحكومة منتخبة تعبر عن إرادة الصندوق.

إن الوضوح في الرؤية السياسية لهذا البديل يقلص من مخاوف الفوضى الأمنية، حيث يمثل العرش صمام أمان يمنع تغول المؤسسات العسكرية أو الأمنية على الحياة السياسية المدنية في مرحلة ما بعد التغيير، وإن استبدال “الولي الفقيه” بملك دستوري يملك ولا يحكم، وبرلمان يمثل الشعب بحق، هو المسار الأقصر لإنهاء المأساة الإيرانية، وإن كلفة التغيير ستكون أقل بكثير إذا ما تم تأطيرها ضمن مؤسسة ملكية تحظى باحترام تاريخي، مما يوفر بيئة آمنة للمصالحة الوطنية الشاملة.

يظل الرهان الحقيقي في إيران على وعي الشعب وقدرته على اختيار البديل الذي يحقق كرامته، وإن الملكية الدستورية المستندة إلى الإطار البهلوي، والمكيفة لتحديات القرن الحادي والعشرين، ليست مجرد خيار سياسي، بل هي ضرورة استراتيجية لإعادة إيران إلى حضن العروبة والعالم كدولة حضارية رائدة.

لقد عانى الإيرانيون بما يكفي من كونهم ضحايا لنظامهم، وآن الأوان ليكونوا هم صناع قرارهم عبر نظام يجمع بين الأصالة والحداثة، ويضمن ألا يعود الظلم بأي قناع جديد، لتشرق شمس الحرية على بلاد فارس من جديد.