ذات صلة

جمع

غليان في الشارع الليبي.. تراجع الدينار والضرائب الجديدة يشعلان فتيل الاحتجاجات

يعيش الشارع الليبي حالة من الاحتقان الشديد والترقب المشوب...

في مواجهة البرهان.. أطباء السودان يوثقون “جرائم التجويع” كأداة سياسية وعسكرية

إن استمرار الحصار العسكري ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى...

نهاية عصر “الملاذ الآمن”.. كيف اقتربت ساعة الحظر الشامل لتنظيم الإخوان الدولي؟

لسنوات طويلة، ظلت العاصمة البريطانية لندن توصف بأنها "الملاذ...

تصعيد جديد.. إسرائيل ترصد إطلاق صواريخ من إيران نحو الأراضي المحتلة

أعلن الحرس الثوري الإيراني عن إطلاق أول موجة من...

إسرائيل تكشف اسم عمليتها ضد إيران: “الأسد الزائر”

أطلقت تل أبيب اسم “الأسد الزائر” على العملية العسكرية...

في مواجهة البرهان.. أطباء السودان يوثقون “جرائم التجويع” كأداة سياسية وعسكرية

إن استمرار الحصار العسكري ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق واسعة في الخرطوم ودارفور والجزيرة، لم يعد مجرد نتاج عرضي للعمليات العسكرية، بل تحول إلى “استراتيجية مدروسة” تستخدم التجويع كسلاح لحسم الولاءات أو تصفية الحواضن الاجتماعية.

وفي مواجهة مباشرة مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وثق الأطباء حالات وفاة جماعية بالهزال وسوء التغذية الحاد، مؤكدين أن القيادة العسكرية تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن تحويل البلاد إلى مقبرة كبرى، حيث يتم القتل بالمنع من الطعام والدواء بنفس الوتيرة التي يتم بها القتل بالرصاص والقذائف، مما يضع السودان أمام اختبار دولي لوقف واحدة من أبشع جرائم الحرب في العصر الحديث.

التجويع كأداة سياسية

يرى أطباء السودان -في بيانهم-، أن ما يحدث حاليًا هو توظيف متعمد للأزمة الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية على حساب أرواح المدنيين العزل؛ فالقيود المفروضة على المعابر البرية والمطارات، وتعقيد إجراءات منح التأشيرات للفرق الإغاثية الدولية، ليست سوى أدوات لإحكام القبضة على رقاب السكان.

هذا “التجويع المسيس” يهدف، بحسب التحليلات الميدانية، إلى إفراغ مناطق استراتيجية من سكانها أو إجبارهم على النزوح القسري، وهو ما يندرج تحت بند الجرائم ضد الإنسانية.

انهيار القطاع الصحي والغذائي

تجاوزت الأزمة السودانية لعام 2026 كل التوقعات المتشائمة، حيث رصدت المنظمات الطبية انهيارا كاملاً في سلاسل الإمداد الغذائي والدوائي، مما حول المراكز الصحية إلى “دور للمحتضرين” تفتقر لأبسط أنواع المحاليل الورقية أو الأغذية العلاجية.

وأشار أطباء السودان إلى أن “سلاح التجويع” الذي يتهمون البرهان باستخدامه، يترافق مع استهداف ممنهج للمطابخ المركزية ومبادرات الإطعام الجماعي التي أطلقها المتطوعون (غرف الطوارئ)، مما يقطع آخر خيوط الأمل للمحاصرين في مناطق النزاع.

إن توصيف الحالة كـ “إبادة جماعية” يأتي من منطلق أن المنع المتعمد للغذاء يؤدي إلى تدمير جزئي أو كلي لمجموعات سكانية محددة، وهو تعريف يتطابق مع ما يحدث على الأرض في ولايات دارفور والخرطوم، حيث يتم منع قوافل الأمم المتحدة من عبور خطوط التماس تحت ذرائع أمنية واهية، بينما يفتك الجوع بآلاف الأسر خلف تلك الخطوط، في صمت دولي مريب يكتفي ببيانات القلق دون تحرك فعلي لوقف المأساة.

المسؤولية الجنائية والدولية

تضع هذه الشهادات الطبية الموثقة القيادة العسكرية في السودان، وعلى رأسها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في مواجهة مباشرة مع القضاء الدولي، حيث أن استخدام التجويع كسلاح في النزاعات المسلحة محرم دوليًا بموجب بروتوكولات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

إن ما وثقه أطباء السودان يضع الضمير العالمي أمام مرآة الحقيقة المرة؛ فالسودان اليوم لا يعاني من “أزمة إنسانية” فحسب، بل يعيش فصولاً متلاحقة من “إبادة” تتم عبر أدوات ناعمة وخشنة في آن واحد، وإن تحميل البرهان والقيادة العسكرية المسؤولية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو استخلاص ميداني لواقع يرى فيه الطبيب مريضه يموت بين يديه ليس بسبب مرض عضال، بل لعدم توفر “قطعة خبز” أو “حقنة أنسولين” منعها الحصار، وإن الاستمرار في هذا النهج سيعني حتمًا تلاشي النسيج الاجتماعي السوداني وتحول البلاد إلى أرض محروقة لا يسكنها إلا الأشباح.

لقد دقت ساعة الحقيقة، وبات لزامًا على القوى الدولية تجاوز لغة التنديد والمطالبة بفتح ممرات إنسانية تحت حماية دولية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يكتمل فصول المشهد الدامي وتتحول “الإبادة الجماعية” في السودان إلى وصمة عار أبدية في تاريخ البشرية الحديث، حيث قُتل شعب كامل جاوعًا في زمن الوفرة العالمية.

إن السودان يصرخ، وأطباؤه يوثقون، والتاريخ يسجل؛ فهل من مجيب لهذه الصرخة قبل أن يتحول السودان إلى مجرد ذكرى في كتب التاريخ؟

إن مواجهة البرهان بسياسات التجويع هي الخطوة الأولى نحو المحاسبة، ولكن الخطوة الأهم هي وقف آلة القتل والجوع فورًا، وضمان وصول الغذاء لكل طفل سوداني كحق أصيل لا يقبل المساومة أو المقايضة السياسية والعسكرية.

فليعلم الجميع أن الجوع لا يصنع نصرًا عسكريًا، بل يصنع حقدًا تاريخيًا وإبادة لا تُنسى، وأن دماء الجوعى ستظل تلاحق كل من تسبب في منع اللقمة عن أفواههم، سواء كان آمرًا بالمنع أو صامتًا عن الجريمة.