ذات صلة

جمع

شريان المليشيا المسوم.. كيف تحولت الجبايات الحوثية إلى مقصلة تخنق تجار اليمن؟

لم يعد العمل التجاري في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا...

عدالة معطلة.. متى يحاسب البرهان وجنرالاته على جرائم الحرب واستخدام الكيماوي؟

مع دخول النزاع السوداني مراحل شديدة الخطورة، تصاعدت حدة...

مستقبل العملية السياسية في العراق.. هل يمهد إصرار المالكي لانسداد جديد؟

يمر العراق بمرحلة هي الأدق في تاريخه السياسي الحديث،...

عدالة معطلة.. متى يحاسب البرهان وجنرالاته على جرائم الحرب واستخدام الكيماوي؟

مع دخول النزاع السوداني مراحل شديدة الخطورة، تصاعدت حدة الاتهامات الموجهة لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان وكبار جنرالاته بارتكاب سلسلة من الانتهاكات التي ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

إن رصد جرائم الجيش السوداني -خلال الفترة الماضية- يظهر نمطًا متكررًا من الاستهداف الممنهج للبنية التحتية والمرافق الصحية والأسواق الشعبية؛ مما أسفر عن سقوط آلاف القتلى والجرحى وتشريد الملايين في أكبر أزمة نزوح يشهدها العالم حالياً، وسط تساؤلات ملحة حول مصير العدالة الدولية المعطلة التي لم تنجح حتى الآن في وضع حد لإفلات الجناة من العقاب رغم الأدلة الدامغة التي توثق هذه التجاوزات الصارخة.

سلاح الجو والبراميل المتفجرة

تعتبر سلاح الجو التابع للجيش السوداني الأداة الأكثر فتكًا في يد البرهان، حيث رصدت المنظمات الدولية مئات الغارات الجوية التي لم تستهدف مواقع عسكرية فحسب، بل طالت أحياء سكنية مكتظة في الخرطوم، وأم درمان، ونيالا، والفاشر.

إن استخدام البراميل المتفجرة والقنابل غير الموجهة في المناطق السكنية يعد انتهاكًا صارخًا لمبدأ “التمييز” المنصوص عليه في القانون الدولي الإنساني، حيث تسببت هذه الغارات في تدمير مربعات سكنية كاملة فوق رؤوس ساكنيها.

وفي عام 2026، وثقت صور الأقمار الصناعية دمارًا هائلاً في المرافق الحيوية مثل محطات المياه والكهرباء والمستشفيات، مما يؤكد أن استراتيجية الجيش تعتمد على سياسة “الأرض المحروقة” لإضعاف الحاضنة الاجتماعية للخصوم، دون أدنى اعتبار للأرواح البشرية التي تُزهق بشكل يومي تحت أنقاض المنازل المدمرة، وهو ما يجعل القادة العسكريين المسؤولين عن إصدار أوامر الطيران في مواجهة مباشرة مع المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الاستهداف المتعمد للمدنيين.

ولم يتوقف الأمر عند القصف الجوي التقليدي، بل امتد ليشمل “الحصار العسكري” الخانق لمدن وقرى بأكملها، ومنع وصول المساعدات الإنسانية والطبية إليها، وهو ما اعتبره خبراء الأمم المتحدة استخداماً لـ “الجوع كسلاح في الحرب”.

إن تعنت قيادة الجيش في فتح الممرات الآمنة وعرقلة عمل المنظمات الدولية أدى إلى تفشي مجاعة حادة في مناطق واسعة من السودان، حيث تشير الإحصائيات إلى وفاة الآلاف من الأطفال وكبار السن نتيجة نقص الغذاء والدواء.

هذه السياسة الممنهجة تهدف إلى كسر إرادة السكان وإجبارهم على النزوح القسري، مما يغير من التركيبة الديموغرافية لبعض المناطق ويخدم أجندات عسكرية وسياسية ضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا، وهو ما يضع البرهان وجنرالاته تحت طائلة المسؤولية الجنائية الدولية بتهمة التجويع القسري وتشريد السكان المدنيين بشكل غير قانوني.

خفايا السلاح الكيماوي والمواد المحرمة

من أخطر الملفات التي برزت على السطح في عام 2026 هي “خفايا استخدام السلاح الكيماوي” في بعض مناطق النزاع بالسودان، حيث تواترت شهادات طبية وميدانية تتحدث عن أعراض غريبة ظهرت على المصابين عقب غارات جوية محددة.

هذه الأعراض، التي تشمل حالات اختناق حادة، وحروق جلدية غير مفسرة، وتلفًا في الأعصاب، تثير شكوكاً عميقة حول لجوء الجيش لاستخدام غازات سامة أو مواد كيماوية حارقة في محاولة يائسة لحسم المعارك في المناطق التي يصعب السيطرة عليها برياً.

وأشارت تقارير استخباراتية وحقوقية إلى وجود مخزونات قديمة تم تطويرها أو الحصول على مواد محرمة عبر شبكات توريد غير شرعية.

إن استخدام هذه الأسلحة يمثل قمة الجرائم ضد الإنسانية، ويتطلب تحقيقًا دوليًا مستقلاً وميدانيًا للوقوف على حقيقة هذه الادعاءات التي تعيد للأذهان مآسي تاريخية وقعت في مناطق نزاع أخرى حول العالم.

إن صمت المجتمع الدولي تجاه هذه “الجرائم الكيماوية” المحتملة يمنح الجناة شعوراً بالأمان للاستمرار في انتهاكاتهم، وهو ما يضع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أمام مسؤولية تاريخية للتحرك والتحقق من هذه التقارير، وإن التحدي الأكبر يكمن في الوصول إلى المواقع المتضررة لجمع العينات، وهو ما يعرقله الجيش السوداني بدواعي “الأمن القومي”.

ومع ذلك، فإن الأدلة غير المباشرة وشهادات الناجين والكوادر الطبية الميدانية بدأت تشكل ملفًا قانونيًا قويًا يمكن استخدامه لملاحقة البرهان وأعوانه.

إن العدالة المعطلة في السودان لا تعني غياب الجريمة، بل تعني أن القوة الحالية تحجب الحقيقة، ولكن مع تزايد الضغوط الدولية وتوثيق هذه الجرائم، فإن ساعة الحساب قد لا تكون بعيدة، خاصة مع تحول الرأي العام العالمي ضد الفظائع المرتكبة بحق الشعب السوداني الأعزل.

متى ينتهي زمن الإفلات من العقاب؟

يبقى السؤال الذي يؤرق الضحايا وأسرهم متى يحاسب البرهان وجنرالاته؟ إن المسار القانوني في المحكمة الجنائية الدولية بدأ بالفعل في تحريك بعض الملفات المتعلقة بدارفور، ولكن الجرائم المرتكبة منذ اندلاع الحرب الأخيرة تتطلب توسيع نطاق التحقيقات ليشمل كافة القادة المسؤولين عن العمليات العسكرية.

إن “العدالة المعطلة” تعود لعدة أسباب، منها غياب الإرادة السياسية الدولية القوية، وانشغال العالم بأزمات أخرى، بالإضافة إلى قدرة النظام العسكري على المناورة السياسية.

ومع ذلك، فإن التاريخ يؤكد أن ملاحقة مجرمي الحرب لا تسقط بالتقادم، وأن التقارير الحقوقية التي تُرصد اليوم ستكون الأساس القانوني للمحاكمات غدًا. يجب على المجتمع الدولي تفعيل آليات العقوبات الذكية، وتجميد أصول القادة المتورطين، ومنعهم من السفر، كخطوات أولية نحو تحقيق العدالة الشاملة.