ذات صلة

جمع

شريان المليشيا المسوم.. كيف تحولت الجبايات الحوثية إلى مقصلة تخنق تجار اليمن؟

لم يعد العمل التجاري في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا...

عدالة معطلة.. متى يحاسب البرهان وجنرالاته على جرائم الحرب واستخدام الكيماوي؟

مع دخول النزاع السوداني مراحل شديدة الخطورة، تصاعدت حدة...

مستقبل العملية السياسية في العراق.. هل يمهد إصرار المالكي لانسداد جديد؟

يمر العراق بمرحلة هي الأدق في تاريخه السياسي الحديث،...

مستقبل العملية السياسية في العراق.. هل يمهد إصرار المالكي لانسداد جديد؟

يمر العراق بمرحلة هي الأدق في تاريخه السياسي الحديث، حيث يتصاعد التوتر حول هوية رئيس الوزراء القادم في ظل إصرار نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، على نيل الولاية الثالثة.

وتأتي هذه التطورات بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على الانتخابات البرلمانية التي جرت في 11 نوفمبر 2025، والتي لم تسفر عن أغلبية مطلقة تتيح تشكيل الحكومة بسهولة، مما أعاد إلى الأذهان سيناريوهات الانسداد السياسي التي عصفت بالبلاد في سنوات سابقة.

إن تمسك المالكي بترشيحه، وقوله علانية إنه “لا ينوي الانسحاب أبداً”، وضع القوى المنضوية تحت لواء الإطار التنسيقي في مأزق حقيقي، خاصة مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية الرافضة لعودته، مما يمهد الطريق أمام انسداد جديد قد يعطل انتخاب رئيس الجمهورية ويكلف البلاد أشهرًا إضافية من الفراغ الدستوري والتعطيل الإداري الذي ينهك كاهل المواطن العراقي.

إصرار المالكي وتحدي الإدارة الأمريكية.. صراع السيادة والنفوذ

دخلت معركة رئاسة الوزراء في العراق منعطفًا حادًا مع دخول الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب على خط الأزمة، حيث لوحت واشنطن بقطع المساعدات المالية والفنية عن بغداد في حال تولى نوري المالكي السلطة مجددًا.

هذا “الفيتو” الأمريكي، الذي استند إلى اتهامات سابقة تتعلق بفترة حكم المالكي وما وصف بـ “التهميش الطائفي”، لم يزد المالكي إلا إصرارًا على موقفه، معتبرًا التدخل الأمريكي مساسًا بالسيادة الوطنية وإرادة الناخب العراقي.

وفي محاولة لكسر هذا الجمود، أجرى المالكي لقاءات مكثفة مع دبلوماسيين غربيين وقوى داخلية لتقديم “رسائل طمأنة” حول برنامجه الحكومي، مؤكدًا التزامه بحصر السلاح بيد الدولة وحماية البعثات الدبلوماسية.

ومع ذلك، يظل التساؤل قائمًا حول قدرة المالكي على تجاوز هذا العائق الخارجي في ظل حاجة العراق الماسة للاستقرار المالي والاعتراف الدولي لضمان نجاح أي حكومة قادمة في ملفات الإعمار والتنمية.

وعلى الجانب الداخلي، كشفت تسريبات من داخل الإطار التنسيقي في فبراير 2026 عن وجود “اتفاق رباعي” محتمل يضم قادة بارزين مثل هادي العامري وعمار الحكيم وقيس الخزعلي، يهدف إلى إقناع المالكي بالانسحاب لصالح مرشح توافقي مثل إحسان العوضي أو التجديد لمحمد شياع السوداني لفترة ثانية.

هذا الحراك يفسر الرغبة في تجنب الصدام المباشر مع واشنطن من جهة، وتفادي عودة الاحتجاجات الصدرية أو الشعبية من جهة أخرى، حيث يخشى حلفاء المالكي من أن يؤدي الإصرار على ترشيحه إلى انفجار الشارع الذي ما يزال يحتفظ بذكريات مريرة من أحداث عام 2014.

إن هذا الانقسام داخل “البيت الشيعي” يمثل لب الأزمة الحالية، فبينما يرى تيار المالكي أن رئاسة الوزراء استحقاق انتخابي ووطني لا يمكن التنازل عنه، ترى أطراف أخرى أن المصلحة العامة تقتضي تقديم “شخصية تسوية” لضمان استمرارية العملية السياسية ومنع انزلاق البلاد نحو فوضى أمنية جديدة.

الانسداد السياسي وتداعياته.. هل يدفع العراق ثمن التمسك بالشخوص؟

إن الخطر الحقيقي الذي يواجهه العراق اليوم لا يكمن فقط في شخص رئيس الوزراء، بل في “ثقافة الانسداد” التي أصبحت سمة ملازمة لكل دورة انتخابية.

فإصرار المالكي على عدم الانسحاب قد يؤدي إلى تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، الذي يشترط الدستور انتخابه بأغلبية الثلثين، وهو أمر مستحيل دون توافق واسع يشمل الأكراد والسنة أيضاً.

وفي حال استمر هذا التصلب في المواقف، فإن العراق قد يواجه سيناريو “حكومة تصريف أعمال” طويلة الأمد، مما يعني توقف المشاريع الاستثمارية الكبرى وتأخر إقرار الموازنة العامة، وهو ما سيفاقم من معاناة الشعب العراقي الذي يعاني أصلاً من تضخم اقتصادي وتحديات مناخية قاسية.

إن المستقبل السياسي للعراق معلق الآن بقدرة القوى السياسية على تقديم التنازلات المتبادلة وتغليب “منطق الدولة” على “منطق الكتلة”، لضمان عدم تحول عام 2026 إلى نسخة مكررة من سنوات الأزمات المفتوحة.

علاوة على ذلك، يراقب التيار الصدري المشهد بصمت حذر، وهو الصمت الذي يصفه المحللون بـ “الهدوء الذي يسبق العاصفة”. فأي محاولة لفرض مرشح مرفوض شعبيًا أو “صدريًا” قد تحول ساحة التحرير ومحيط المنطقة الخضراء إلى مراكز احتجاجات عارمة قد تطيح بكل التفاهمات الحالية.

لذا، فإن مستقبل العملية السياسية في العراق يقف أمام مفترق طرق: فإما المضي في نهج المحاصصة والتمسك بالشخوص الذي قد يؤدي إلى انسداد تاريخي، أو الانتقال نحو فضاء وطني أرحب يختار رئيس وزراء قادرًا على الموازنة بين ضغوط واشنطن ونفوذ طهران، مع الحفاظ على القبول الشعبي.

إن قرار المالكي بالبقاء في السباق هو الاختبار الأخير لمدى صمود النظام السياسي العراقي أمام التحديات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، وهو القرار الذي ستترتب عليه ملامح العراق للعقد القادم.