ذات صلة

جمع

مستقبل شرق أوروبا.. هل تصبح أوكرانيا منطقة عازلة بين طموحات روسيا وحذر الغرب؟

تعتبر الأزمة الأوكرانية، اليوم، النقطة المحورية التي ستحدد شكل...

دور العبادة باليمن بين فكي الميليشيات.. كيف يستخدم الحوثيون المنابر لنشر خطاب الكراهية؟

في ظل تصاعد التقارير الحقوقية والميدانية لعام 2026، يتكشف حجم الدمار الممنهج الذي ألحقته جماعة الحوثي بدور العبادة في مختلف المحافظات اليمنية، وهو ما يمثل انتهاكًا صارخًا لحرمة المقدسات والقوانين الدولية التي تكفل حماية دور العبادة في النزاعات المسلحة.

وأكدت تقارير دولية ومحلية، أن استهداف الجماعة للمساجد ومراكز تحفيظ القرآن الكريم لم يكن مجرد أحداث عرضية ناتجة عن العمليات العسكرية، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى محو الهوية الدينية التعددية للمجتمع اليمني وفرض لون طائفي واحد بقوة السلاح.

وقالت مصادر: إن ما يجري اليوم في اليمن من تفجير للمساجد وتحويلها إلى ثكنات عسكرية ومخازن للأسلحة، يُعد خرقًا جسيمًا لاتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية، وهو ما يرقى قانونيًا إلى توصيف “جرائم حرب” تستوجب ملاحقة مرتكبيها أمام المحاكم الجنائية الدولية.

كما تشير الإحصائيات الموثقة منذ بداية الصراع وحتى عام 2026 إلى تعرض مئات المساجد للتدمير الكلي أو الجزئي، حيث تتصدر محافظات عمران، صعدة، وصنعاء قائمة الانتهاكات الحوثية.

وتعتمد الميليشيات الحوثية على أسلوب “التفخيخ والتفجير” ضد المساجد والمراكز الدينية التي تتبع تيارات فكرية تختلف معها، في رسالة ترهيبية واضحة تهدف إلى إخضاع المجتمع المحلي وتدجين الخطاب الديني.

كما رصدت المنظمات الحقوقية قيام الميليشيات بتحويل العشرات من بيوت الله إلى مجالس لتناول القات ومركزًا لإلقاء محاضرات طائفية تدعو للتحريض والكراهية، مما أفقد هذه الدور وظيفتها الروحية والاجتماعية التي عرفها اليمنيون على مر العصور، وحوّلها إلى أدوات للتعبئة العسكرية والتحريض على العنف والقتل.

عسكرة المساجد وتحويلها إلى مخازن للسلاح

وتمثل عسكرة المساجد أحد أبشع الجرائم التي يرتكبها الحوثيون، حيث يتم استغلال الحصانة المفترضة لدور العبادة لتحويلها إلى مراكز قيادة وسيطرة ومخازن للذخيرة والصواريخ، في محاولة للاحتماء بها من الضربات الجوية أو العمليات العسكرية للجيش اليمني، هذا السلوك لا يكتفي بتعريض المعالم التاريخية والدينية لخطر الدمار، بل يحول المصلين وسكان الأحياء المجاورة إلى دروع بشرية رغماً عنهم، وهو تكتيك عسكري محرم دوليًا يعكس استهتار الجماعة بالدماء والحرمات.

وأكدت مصادر، أن تحويل المنارة والمحراب إلى منصات لإطلاق القذائف وتخزين المتفجرات يُسقط الصفة المدنية والدينية عن هذه المواقع وفقًا للتعريفات العسكرية، مما يضع الجماعة في خانة المسؤولية المباشرة عن أي أضرار تلحق بهذه المنشآت نتيجة استخدامها في غير غرضها الطبيعي.

علاوة على التدمير المادي، تمارس جماعة الحوثي “إرهابًا فكريًا” عبر المنابر، حيث قامت بعزل مئات الخطباء والأئمة واستبدالهم بعناصر تابعة لها، لإجبار المواطنين على الاستماع لخطاب تعبوي يمجد القتال ويبرر الجرائم المرتكبة بحق اليمنيين.

وتستخدم هذه المنابر حاليًا كمنصات أساسية لتجنيد الأطفال والشباب والزج بهم في محارق الموت، في عملية غسيل أدمغة واسعة النطاق تستهدف تغيير الثقافة الدينية السمحة لليمن واستبدالها بثقافة الموت والولاء المطلق لزعيم الجماعة، هذا التغيير القسري للهوية الدينية والتحكم المطلق في ضمائر الناس، يمثل جريمة ضد الإنسانية تستهدف نسيج المجتمع اليمني وتمهد لصراعات مستقبلية بعيدة المدى.

تدمير مراكز تحفيظ القرآن وتهجير العلماء

لم تقتصر انتهاكات الحوثي على المساجد الجامعة، بل امتدت لتطال دور القرآن الكريم والمراكز العلمية التاريخية التي كانت تمثل مراكز إشعاع فكري في اليمن.

وتعرضت دور القرآن في دماج وعمران وصنعاء لعمليات هدم كلي وتشريد لآلاف الطلاب والعلماء، في محاولة لتجفيف منابع التعليم الديني التقليدي واستبداله بملازم وأفكار دخيلة على البيئة اليمنية.

إن تدمير هذه المؤسسات التعليمية لا يمثل خسارة معمارية فحسب، بل هو تدمير لإرث ثقافي وتاريخي تراكم عبر مئات السنين، وهو جزء من استراتيجية شاملة تتبعها الجماعة لمحو ذاكرة الأجيال القادمة وإعادة صياغتها بما يخدم أجندتها السياسية المرتبطة بمشاريع إقليمية توسعية.

إن تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية والتعليمية، عندما لا تكون أهدافًا عسكرية، يشكل جريمة حرب لا تسقط بالتقادم.

وتعمل اللجان الحقوقية حاليًا على توثيق هذه الجرائم وجمع شهادات الناجين والضحايا، لتقديم ملفات متكاملة إلى الجهات القضائية الدولية لضمان عدم إفلات القيادات الحوثية المسؤولة عن هذه الأوامر من العقاب، وتحميلهم المسؤولية الجنائية والأخلاقية عن الدمار الذي لحق بمقدسات اليمنيين.

المسؤولية الدولية والواجب الحقوقي

إن صمت المجتمع الدولي تجاه استمرار الحوثيين في استهداف دور العبادة يشجع الجماعة على التمادي في جرائمها. لذا، فإن المسؤولية تقع على عاتق الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي لإدانة هذه الانتهاكات بشكل صريح والضغط من أجل حماية دور العبادة في اليمن.

كما يجب أن تتضمن أي تسويات سياسية مستقبلية بنودًا واضحة لترميم ما دمرته الميليشيات، وإعادة الاعتبار للخطباء والأئمة المهجرين، وضمان استقلالية دور العبادة بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والطائفي، كما يجب تفعيل آليات الرصد والتوثيق الدولية لضمان حصر كافة الأضرار التي لحقت بالمساجد والمواقع التاريخية، واعتبارها جزءًا من التعويضات التي يجب أن تلتزم بها الأطراف المتسببة في الدمار.