تعيش الأوساط السياسية والاجتماعية في فرنسا حالة من الغليان بعد صدور نتائج استطلاع رأي حديث كشف عن تحول جذري في نظرة المجتمع الفرنسي تجاه المنظمات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.
هذا الاستطلاع الذي أظهر تأييد أكثر من نصف الفرنسيين لحظر هذه المنظمات، لا يُعد مجرد رقم إحصائي عابر، بل يمثل إعلاناً صريحاً عن “موت التغلغل” الذي مارسته الجماعة وأذرعها على مدار عقود تحت ستار العمل الخيري والدعوي والاجتماعي.
إن هذا التحول في الوعي الجمعي يشير إلى أن الاستراتيجية التي اتبعتها الجماعة لسنوات طويلة في محاولة التغلغل داخل مفاصل المجتمع الفرنسي بدأت تصطدم بجدار صلب من الرفض الشعبي، الذي يطالب الآن بإجراءات قانونية صارمة وحاسمة لإنهاء هذا الوجود التنظيمي الذي بات يُنظر إليه كمهدد لقيم الجمهورية والعلمانية الفرنسية.
الوعي الشعبي يتجاوز الخطاب السياسي التقليدي
لطالما كان ملف “الإسلام السياسي” في فرنسا مادة دسمة للمزايدات السياسية بين اليمين واليسار، إلا أن نتائج الاستطلاع الأخير تثبت أن الشارع الفرنسي تجاوز تلك الانقسامات التقليدية، وتوحد خلف رؤية أمنية واجتماعية ترفض وجود تنظيمات عابرة للحدود ذات أجندات أيديولوجية غامضة.
إن تأييد الأغلبية لحظر المنظمات المرتبطة بالإخوان يعكس إدراكاً متزايداً للمخاطر التي تشكلها هذه الكيانات على التماسك المجتمعي، حيث يرى الكثير من الفرنسيين أن هذه المنظمات تعمل على خلق مجتمعات موازية تكرس مبدأ “الانفصالية”، الذي حذر منه الرئيس إيمانويل ماكرون في خطاباته السابقة.
هذا الضغط الشعبي المتزايد يضع الحكومة الفرنسية أمام استحقاق كبير، إذ لم يعد الحديث عن “الرقابة” كافياً لإرضاء المواطنين، بل بات المطلب الشعبي هو “الحظر الشامل” وتفكيك الشبكات التي تغذي هذا الفكر.
تآكل النفوذ الاجتماعي وسقوط قناع “الوسطية”
لعقود طويلة، نجحت المنظمات المرتبطة بالإخوان في فرنسا في تقديم نفسها كشريك “معتدل” يمثل المسلمين، واستطاعت عبر شبكة معقدة من الجمعيات والمراكز التعليمية أن تبني نفوذاً واسعاً في الضواحي والمدن الكبرى، لكن الاستطلاع الأخير، وما سبقه من تحقيقات صحفية وأمنية، كشف أن هذا “التغلغل” لم يكن يهدف إلى الاندماج الحقيقي، بل إلى بناء قواعد أيديولوجية صلبة تخدم أهداف التنظيم الدولي.
إن سقوط هذا النفوذ بدأ فعلياً مع تزايد الوعي بأن العديد من هذه المنظمات تتلقى تمويلات خارجية، وتتبنى خطاباً مزدوجاً يُظهر الانفتاح في العلن ويمارس التحريض على الانعزال في الخفاء.
وبناءً على ذلك، فإن مطالبة نصف الفرنسيين بالحظر تعني أن الجماعة خسرت معركتها الكبرى في الحصول على الشرعية المجتمعية، وأن محاولات “الأنسنة” التي تقوم بها الماكينة الإعلامية للإخوان لم تعد تنطلي على المواطن الفرنسي العادي.
تداعيات الاستطلاع على الخارطة السياسية والتشريعية
من المتوقع أن يُلقي هذا الاستطلاع بظلاله على السياسات التشريعية القادمة في فرنسا، حيث سيمنح الحكومات والبرلمانيين “تفويضاً شعبياً” لاتخاذ قرارات كانت في السابق تُوصف بالجريئة أو المثيرة للجدل.
وإن التحول نحو الحظر قد لا يقتصر على الجانب القانوني فقط، بل سيمتد ليشمل تجفيف المنابع المالية ومراقبة المؤسسات التعليمية التابعة لهذه الجماعات بشكل أكثر صرامة.
ويرى المحللون أن هذا الاستطلاع هو المسمار الأخير في نعش التغلغل الإخواني، إذ إنه يسحب البساط من تحت أقدام المدافعين عن هذه الجمعيات تحت ذريعة “الحريات المدنية”، ويضع الملف في إطار “حماية الأمن القومي والمبادئ العلمانية”.
إن القوة التي أظهرتها الأرقام في هذا الاستطلاع تشير إلى أن فرنسا قد تدخل مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة، حيث يتم التعامل مع الجماعة وأذرعها ككيانات مرفوضة شعبياً وقانونياً.
هل اقتربت نهاية الوجود التنظيمي للإخوان؟
يمثل هذا الاستطلاع نقطة تحول تاريخية في مسار العلاقة بين الدولة الفرنسية وتيارات الإسلام السياسي. لقد كان “التغلغل” هو الرهان الأكبر للإخوان للبقاء في القارة الأوروبية، ومع ظهور هذه النتائج يبدو أن هذا الرهان قد فشل أمام يقظة الوعي العام الفرنسي.
وإن الطريق نحو الحظر الشامل قد يكون طويلاً ومليئاً بالعقبات القانونية، لكن الإرادة الشعبية التي عبّر عنها الاستطلاع الأخير وضعت الأساس المتين لهذا التحول، وفرنسا الآن على أعتاب مرحلة تتطلب ترجمة هذه الرغبة الشعبية إلى واقع ملموس يحمي النسيج الوطني ويضمن عدم استغلال الحريات لتقويض أسس الدولة.

