ذات صلة

جمع

غياب أوروبي عن مساعي التهدئة بين واشنطن وطهران

تتواصل التحركات الدولية لاحتواء التوترات بين الولايات المتحدة وإيران،...

بين المنهج والبنادق.. كيف يُوظف الحوثيون مؤسسات الدولة لنشر فكرهم الطائفي؟

منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء، لم...

شبح الإرهاب.. هل تنجح تونس في تحصين شبابها من “الاستقطاب الأسود”؟

لطالما عُرفت تونس بأنها منارة للاعتدال والانفتاح في المنطقة...

حرب المدن والاستنزاف.. ماذا يعني تقدم روسيا جنوب شرقي أوكرانيا؟

في تطور ميداني يحمل دلالات استراتيجية عميقة، أعلنت وزارة...

ليبيا ما بعد سيف الإسلام.. هل تندفع البلاد نحو جولة جديدة من الصراع الوجودي؟

استيقظ الشارع الليبي والمجتمع الدولي على أنباء صادمة هزت...

بين المنهج والبنادق.. كيف يُوظف الحوثيون مؤسسات الدولة لنشر فكرهم الطائفي؟

منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء، لم تكتفِ الجماعة بالسيطرة العسكرية والسياسية، بل شرعت في معركة أخطر تستهدف “الهوية الوطنية” من خلال توظيف مؤسسات الدولة الرسمية كأدوات لنشر أيديولوجيتها الطائفية.

إن هذا التحول الممنهج لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ضمن استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تجريف المؤسسات الجمهورية وإحلال هيكل عقائدي موازٍ يضمن الولاء المطلق للجماعة وقيادتها.

عسكرة التعليم وتغيير المناهج.. بناء جيل على عقيدة الصرخة

يعتبر قطاع التعليم هو الميدان الأول والأهم في استراتيجية الحوثيين، حيث تدرك الجماعة أن السيطرة على عقول النشء هي الضمانة الوحيدة لاستمرار مشروعها في المستقبل.

بدأت الجماعة بتغييرات جذرية في المناهج الدراسية، شملت حذف دروس تتعلق بالرموز الوطنية والجمهورية، وإحلال نصوص تمجد فكر الجماعة ومؤسسها ورموزها التاريخية.

لم يتوقف الأمر عند تعديل النصوص، بل امتد ليشمل فرض “أنشطة تعبوية” أسبوعية داخل المدارس، وإلزام الطلاب والمعلمين بترديد شعارات الجماعة في الطابور الصباحي، مما حول المدارس من محاضن للعلم إلى معسكرات لتجنيد العقول قبل الأجساد.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن الجماعة استبدلت المئات من مدراء المدارس والموجهين التربويين بعناصر موالية لها، وفرضت “مشرفين ثقافيين” لمراقبة أداء الهيئة التدريسية وضمان التزامها بالخطاب الأيديولوجي الجديد.

الإعلام الرسمي كبوق للمشروع الطائفي.. عزل اليمن عن محيطه

بمجرد دخولهم صنعاء، وضع الحوثيون أيديهم على وكالة الأنباء الرسمية “سبأ” وقنوات التلفزيون الحكومية، وحولوها إلى وسائل إعلامية ناطقة باسم الجماعة فقط.

لم يعد الخطاب الإعلامي الرسمي يعبر عن قضايا المواطن اليمني وهمومه المعيشية، بل تركزت التغطيات حول الخطابات المطولة لزعيم الجماعة، ونشر “الزوامل” الحماسية، والترويج لانتصاراتهم العسكرية.

هذا الاستغلال للإعلام لم يهدف فقط لنشر الفكر، بل استُخدم كأداة للترهيب وتشويه المعارضين ووصفهم بـ “الخونة والعملاء”، مما خلق حالة من العزلة الفكرية لدى المواطنين في مناطق سيطرتهم، حيث يتم ضخ معلومات مضللة تخدم التوجه الطائفي وتكرس الكراهية تجاه المحيط العربي والمجتمع الدولي، مما يسهم في تعميق الشقاق الاجتماعي.

القضاء والعدالة.. توظيف المطرقة لشرعنة الانتهاكات

لم يكن القضاء بمنأى عن عمليات “الحوثنة” الممنهجة، حيث سعى الحوثيون إلى تقويض استقلالية القضاء عبر تعيين قضاة من خريجي “الدورات الثقافية” الخاصة بهم في مناصب حساسة.

تم استخدام المحاكم، وخاصة المحكمة الجزائية المتخصصة، كأداة لتصفية الحسابات السياسية ونهب ممتلكات المعارضين تحت ذريعة “الخيانة”.

إن فرض الرؤية الفقهية الخاصة بالجماعة في إصدار الأحكام والتعامل مع القضايا المدنية والجنائية، أدى إلى تآكل الثقة في المنظومة العدلية. وأصبح القضاء وسيلة لشرعنة مصادرة الأراضي والأموال، وفرض جبايات مالية تحت مسميات دينية مثل “الخمس”، مما يعزز الهيمنة الاقتصادية للجماعة بالتوازي مع الهيمنة الفكرية، ويجعل من القوانين مجرد نصوص شكلية يتم تطويعها لخدمة “السيد”.

المساجد والمنابر.. تحويل دور العبادة إلى منصات للتحريض

تمثل المساجد في اليمن ركيزة أساسية للتواصل الاجتماعي والروحي، وهو ما دفع الحوثيين للسيطرة على وزارة الأوقاف وتغيير آلاف الأئمة والخطباء في المناطق الخاضعة لسيطرتهم. تم فرض “خطبة الجمعة الموحدة” التي تركز على التحشيد للجبهات، والترويج لمبدأ “الولاية”، وسب الخصوم السياسيين.

كما تم إجبار المواطنين على حضور دورات ثقافية مسائية داخل المساجد، حيث يتم تلقينهم ملازم مؤسس الجماعة حسين الحوثي.

هذا الاستغلال للمقدس الديني أدى إلى عزوف الكثير من اليمنيين عن الصلاة في المساجد التي تسيطر عليها الجماعة، هرباً من خطاب التحريض والكراهية الذي يمزق النسيج المذهبي الذي تميز به اليمن لقرون طويلة من التعايش بين الزيدية والشافعية.

الدورات الثقافية.. آلة غسل الأدمغة في مؤسسات الدولة

ابتكر الحوثيون ما يسمى بـ “الدورات الثقافية”، وهي معسكرات مغلقة يتم فيها عزل موظفي الدولة والمدنيين لفترات تتراوح بين أسبوع وشهر، لتعرضهم لعمليات شحن أيديولوجي مكثف.

هذه الدورات أصبحت شرطاً أساسياً للبقاء في الوظيفة العامة أو الحصول على ترقية. يتم خلالها التركيز على زرع العداء تجاه الآخر، وتكريس فكرة أن الجماعة هي “المصطفاة” لقيادة الأمة.

إن خطورة هذه الدورات تكمن في أنها تستهدف الفئات المتعقلة في المجتمع (الأطباء، المهندسين، الأكاديميين)، محاولةً كسر إرادتهم وتطويع خبراتهم لخدمة المشروع الطائفي، مما أدى إلى هجرة واسعة للكفاءات الوطنية التي رفضت الانصياع لهذا النمط من الترهيب الفكري.

يبقى الرهان اليوم على وعي الشعب اليمني ومقاومته السلمية لكل محاولات طمس هويته العربية والوطنية، وعلى دور المجتمع الدولي في عدم الاعتراف بشرعية هذه التغييرات الجذرية التي تطال بنية الدولة والمجتمع.