ذات صلة

جمع

سلطة “أنقاض الخراب”.. كيف تعيد تهديدات البرهان إنتاج نسخة جديدة من الإقصاء السياسي؟

تشهد الساحة السودانية في الآونة الأخيرة تصعيدًا دراماتيكيًا في...

استعادة السيادة في شرق الفرات.. هل ينهي انتشار الجيش السوري عهد الازدواجية؟

مع إعلان البدء في تنفيذ الاتفاق الشامل بين الحكومة...

كسر الخطوط الحمراء.. هل اقتربت المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب من نقطة اللاعودة؟

دخل الصراع الإيراني الإسرائيلي مرحلة جديدة ومنعطفًا تاريخيًا هو...

الدولة العميقة والمناورة الكبرى.. كيف بات الإخوان المسلمون العقبة المستعصية أمام استقرار السودان؟

يواجه السودان اليوم واحدة من أخطر المنعطفات في تاريخه الحديث، حيث لم تعد الحرب الدائرة مجرد صراع على السلطة بين قوتين عسكريتين، بل تحولت إلى ساحة لتصفية حسابات سياسية معقدة، تلعب فيها “الحركة الإسلامية” “تنظيم الإخوان المسلمين” دور المحرك من خلف الستار.


حيث ترى مصادر أن نفوذ هذا التنظيم، الذي سيطر على مقدرات البلاد لثلاثة عقود، يمثل اليوم التهديد الأكبر لأي اتفاقية سلام محتملة. فالحركة التي أُزيحت عن السلطة عبر ثورة شعبية في عام 2019 تجد في استمرار الصراع المسلح وسيلة مثالية للعودة إلى المشهد السياسي وإعادة تدوير عناصرها داخل مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، وهو ما يجعل من خيار “السلام الشامل” تهديدًا وجوديًا لمصالحها التنظيمية التي ترتكز على إقصاء الآخر وفرض سياسة الأمر الواقع عبر “الدولة العميقة”.
تغلغل “كتائب الظل” وتأثيرها المباشر على قرارات المؤسسة العسكرية


أحد أبرز الأسباب التي تجعل من الحركة الإسلامية عائقًا أمام السلام هو تغلغل كوادرها داخل مفاصل المؤسسة العسكرية السودانية، وخاصة عبر ما يُعرف بـ”كتائب الظل” والمجموعات المسلحة الموازية مثل “كتيبة البراء بن مالك”.


وأكدت المصادر أن هذه المجموعات، التي تقاتل الآن جنبًا إلى جنب مع الجيش، لا تأتمر فقط بأوامر القيادة العسكرية العليا، بل ترتبط أيديولوجيًا بتنظيم الإخوان المسلمين.
هذا الاندماج الميداني يمنح الحركة قدرة هائلة على الضغط لمنع تقديم أي تنازلات في مفاوضات السلام، حيث يتم تخوين أي محاولة للتقارب مع القوى المدنية أو الدخول في تسويات تنهي الحرب. إن وجود هذه الكتائب يخلق حالة من “ازدواجية القرار” داخل المعسكر الواحد، مما يُحبط جهود الوسطاء الدوليين في جدة أو المنامة أو أي عاصمة أخرى تسعى لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة.


هل يخشى الإسلاميون نجاح المسار الدبلوماسي؟


تدرك الحركة الإسلامية في السودان أن أي اتفاق سلام حقيقي سيعني بالضرورة العودة إلى مسار التحول الديمقراطي، وهو المسار الذي يتضمن إجراءات محاسبة، وتفكيكًا لتمكين النظام السابق، وفتح ملفات الفساد والانتهاكات التي ارتُكبت على مدار ثلاثين عامًا.


من هنا، تنتهج الحركة استراتيجية “الأرض المحروقة” سياسيًا، عبر تجييش الرأي العام ضد مفاوضات السلام وتصويرها كـ”مؤامرة دولية” تستهدف كرامة البلاد.


هذا الخطاب التحريضي يهدف إلى سد الطريق أمام القوى المدنية (مثل تنسيقية “تقدم”) ومنعها من لعب دور في صناعة المستقبل، لأن نجاح المسار الدبلوماسي يعني انتهاء مبررات وجود السلاح الموازي وتفكيك الميليشيات الأيديولوجية التي تمثل “قوة الحماية” الأخيرة لنفوذ الإخوان في السودان.


لقد برع التنظيم، عبر عقود، في استخدام سياسة “فرّق تسد”، وهو اليوم يعيد إنتاج هذه السياسة لضرب القوى السياسية بعضها ببعض، وإيهام المجتمع السوداني بأن البديل عن استمرار الحرب هو “تفكك الدولة”. هذا النوع من الضغط النفسي والسياسي يجعل من عملية بناء الثقة بين السودانيين أمرًا غاية في الصعوبة، حيث تُبث الشائعات وتُشن حملات التشويه ضد كل من يدعو إلى وقف نزيف الدم، مما يخلق بيئة طاردة للسلام ومحفزة للاستقطاب الحاد الذي يخدم حصرًا بقاء التنظيم لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مستقبلية.


الموقف الدولي وتحدي “عزل المعرقلين” لاستعادة استقرار السودان


أمام هذا النفوذ المتجذر للحركة الإسلامية، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام معضلة حقيقية؛ ففرض العقوبات على الأطراف العسكرية وحده قد لا يكفي إذا لم يتم التصدي للعناصر “المعرقلة” المختبئة خلف الستار.


وأوضحت المصادر أن نجاح أي اتفاقية سلام في السودان يتطلب بالضرورة وضع آليات واضحة لعزل المتطرفين الأيديولوجيين ومنعهم من تخريب التوافقات الوطنية. ويؤكد خبراء أن استقرار السودان مرهون بقدرة السودانيين، بدعم من القوى الإقليمية والدولية، على بناء جيش وطني مهني موحد بعيدًا عن التحزبات السياسية، وإنهاء ظاهرة “تسييس الدين” التي استخدمتها الحركة الإسلامية كغطاء لممارسة السلطة. وبدون هذه الخطوات الجراحية، ستظل اتفاقيات السلام مجرد حبر على ورق، وستبقى يد الإخوان المسلمين قادرة على إشعال الفتنة في كل مرة تقترب فيها البلاد من بر الأمان.