عاد قطاع غزة ليتصدر واجهة الأخبار المأساوية، في ظل استمرار المجازر التي تأتي ضمن حالة “اللاحرب واللاسلم” التي تفرضها إسرائيل على القطاع، وتحديدًا في إطار الخروقات المتواصلة لوقف إطلاق النار الذي كان قد تم التوصل إليه في نوفمبر 2024.
وقالت مصادر إن استهداف الأطفال بشكل متعمد أو نتيجة القصف العشوائي للمناطق السكنية يمثل انتهاكًا صارخًا لكافة القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية التي تُجرّم الاعتداء على المدنيين، وخاصة الأطفال، في مناطق النزاع، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية كبرى للتحرك العاجل لوقف هذا النزيف المتواصل.
خروقات متواصلة للتهدئة
وتؤكد التقارير الواردة من قطاع غزة أن الشهداء الذين سقطوا في مناطق لا تشهد اشتباكات مباشرة بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال يكشفون عن سياسة “القتل المتعمد” أو الاستهداف العشوائي للمدنيين.
ويمثل هذا التكتيك الإسرائيلي خرقًا واضحًا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي ينص على حماية المدنيين ووقف كافة أشكال العدوان خارج خطوط التماس المتفق عليها.
وترى المصادر أن إسرائيل تستغل حالة الهدوء النسبي في بعض المناطق لتصفية حسابات أو للقيام بعمليات اغتيال ممنهجة تحت ستار “الاستجابة لتهديدات أمنية”، وهو ما ينفيه الجانب الفلسطيني، الذي يؤكد أن جميع الضحايا مدنيون عُزّل، بينهم أطفال ونساء، كانوا في منازلهم أو يمارسون حياتهم الطبيعية بعيدًا عن أي اشتباكات مسلحة، مما يجعل هذه الجرائم بمثابة “انتهاكات حرب” تستدعي تحقيقًا دوليًا فوريًا.
لماذا يغتال الاحتلال طفولة غزة؟
إن استهداف الأطفال في قطاع غزة ليس حادثًا عرضيًا، بل هو جزء من سياسة ممنهجة يتبعها الاحتلال الإسرائيلي لكسر إرادة الصمود لدى الشعب الفلسطيني وزرع الخوف في نفوس الأجيال الصاعدة. فالأطفال في غزة يعيشون تحت حصار خانق منذ سنوات طويلة، ويواجهون تحديات لا حصر لها تتعلق بالصحة والتعليم والمستقبل، ويأتي القتل المباشر ليضاعف من حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
إن الرسالة التي تحاول إسرائيل إيصالها عبر استهداف الأطفال هي أن “لا مكان آمنًا” في غزة، وأن الدمار والموت قد يطالان أي شخص في أي لحظة، في محاولة لثني السكان عن التمسك بأرضهم ومقاومة الاحتلال.
وهذه السياسة تخالف بشكل صارخ اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين في وقت الحرب، واتفاقية حقوق الطفل التي تُلزم الدول الأطراف بحماية الأطفال من أي شكل من أشكال العنف أو الضرر.
ردود الفعل الدولية
عادة ما تتبع هذه الجرائم موجة من الشجب والإدانة الخجولة من قبل بعض المنظمات الدولية والدول الأوروبية، إلا أنها سرعان ما تتلاشى دون أن تتحول إلى ضغوط حقيقية على إسرائيل.
وهذا الصمت المريب من المجتمع الدولي يشجع الاحتلال على التمادي في انتهاكاته، ويمنحه شعورًا بالإفلات من العقاب. ويرى الفلسطينيون أن غياب المحاسبة هو الدافع الرئيسي وراء استمرار إسرائيل في ارتكاب جرائم حرب بحق المدنيين، خاصة الأطفال.
إن أي اتفاق لوقف إطلاق النار لن يكون ذا جدوى ما لم تُرافقه آلية دولية صارمة لمراقبة الانتهاكات وتوثيقها، وفرض عقوبات على الطرف الذي يخرق التفاهمات، بما يضمن حماية حقيقية للمدنيين بعيدًا عن التصريحات الدبلوماسية التي فقدت تأثيرها على أرض الواقع.
التحديات المستقبلية
يضع استمرار استهداف الأطفال في غزة تحديات جسيمة أمام أي جهود مستقبلية لإحلال السلام في المنطقة، فكيف يمكن بناء الثقة بين الأطراف عندما يرى الجيل القادم أن أرواحهم ليست محمية حتى في ظل “وقف إطلاق النار”؟
إن حماية الطفولة في غزة تتطلب جهودًا دولية حقيقية تتجاوز البيانات والتصريحات، لتشمل فرض مناطق آمنة حقيقية تحت حماية دولية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الذين يعيشون تحت وطأة الحرب والحصار. وإن دماء الأطفال البريئة التي تُسفك على رمال غزة ستظل وصمة عار في جبين الإنسانية ما لم يتم التحرك بجدية لإنهاء الاحتلال ووقف العدوان، وضمان أن يحظى أطفال فلسطين بفرصة للعيش بسلام وكرامة مثل سائر أطفال العالم، بعيدًا عن آلة الحرب التي لا تفرق بين مقاتل ومدني، ولا ترحم براءة الأطفال.

