يدخل لبنان فصلاً جديدًا من فصول الصراع على الهوية السياسية والتموضع الاستراتيجي، حيث يتصدر سؤال “فك الارتباط مع طهران” أجندة الحوار الوطني المتعثر والمستمر في آن واحد.
وقالت مصادر: إن تفكيك شيفرة العلاقة بين حزب الله وإيران لا يعد مجرد ترف فكري أو سياسي، بل هو ضرورة وجودية لدولة تعصف بها الأزمات الاقتصادية وتخنقها العزلة الدولية الناتجة عن انخراط أحد مكوناتها الأساسية في مشاريع إقليمية عابرة للحدود.
وفي الوقت الذي تسعى فيه القوى اللبنانية المعارضة إلى تحويل طاولة الحوار إلى منصة لفرض السيادة الكاملة، تبرز تعقيدات الواقع الميداني والارتباط العقيدي الذي يربط “الحزب” بمركزه في طهران، مما يجعل من فكرة فك الارتباط مهمة شبه مستحيلة في ظل موازين القوى الحالية التي تميل كفتها لصالح السلاح والمال السياسي الإيراني، وسط ترقب دولي لما ستؤول إليه نتائج هذا الحراك الداخلي المحفوف بالمخاطر الأمنية والسياسية.
جذور الارتباط العضوي
لفهم صعوبة نجاح الحوار اللبناني في فك الارتباط مع طهران، يجب العودة إلى بنية العلاقة التي تجمع حزب الله بإيران، فهي ليست مجرد علاقة “دولة بزبون” أو تحالف سياسي عابر، بل هي علاقة عضوية تستند إلى مبدأ “ولاية الفقيه” والتكليف الشرعي الذي يتجاوز حدود الجغرافيا الوطنية.
إن حزب الله يرى في نفسه جزءًا لا يتجزأ من مشروع إقليمي تقوده إيران، وهو ما يجعل قرار السلم والحرب، وحتى التموضع الداخلي، مرتبطًا بحسابات طهران الاستراتيجية في المنطقة.
هذا الارتباط العقيدي يمنح الحزب استقلالية مالية وعسكرية عن الدولة اللبنانية، مما يفرغ أي حوار وطني من محتواه الفعلي إذا لم يتطرق إلى جوهر هذه العلاقة.
فالمشكلة لا تكمن في التمثيل السياسي للحزب داخل المؤسسات اللبنانية، بل في تحوله إلى “جيش موازٍ” ينفذ أجندة خارجية، وهو ما تعتبره القوى السيادية في لبنان العائق الأكبر أمام بناء دولة حقيقية تملك وحدها حق استخدام القوة وفرض القانون على كامل أراضيها.
الحوار الوطني 2026
تتمحور جولات الحوار اللبناني في عام 2026 حول صياغة “استراتيجية دفاعية” موحدة، تكون قادرة على استيعاب سلاح حزب الله ضمن هيكلية الدولة، أو على الأقل تحييد هذا السلاح عن الصراعات الإقليمية التي تقودها إيران.
إن النجاح في هذا المسار يعني عمليًا بداية فك الارتباط مع طهران، حيث ستصبح الدولة اللبنانية هي المرجعية الوحيدة لأي عمل عسكري أو أمني. ومع ذلك، يواجه هذا الطرح مقاومة شديدة من محور الممانعة، الذي يرى في سلاح الحزب “ضرورة استراتيجية” للدفاع عن لبنان وضمان توازن الردع مع الاحتلال الإسرائيلي.
هذا الانقسام الحاد يجعل من الحوار الوطني ساحة لتسجيل المواقف أكثر من كونه مكاناً للحلول الحقيقية، خاصة وأن الأطراف المشاركة تدرك أن حزب الله لن يتخلى عن “ورقته القوية” وعلاقته بإيران مقابل وعود سياسية داخلية، طالما أن طهران ما تزال ترى في لبنان ساحة متقدمة لمواجهة خصومها الدوليين والإقليميين.
الضغوط الدولية والعربية
لا يتحرك الحوار اللبناني في معزل عن الضغوط الدولية والعربية التي تطالب بوضوح بضرورة نأي لبنان بنفسه عن صراعات المنطقة وتقليص نفوذ إيران فيه.
ففي عام 2026، يربط المجتمع الدولي أي خطط للتعافي الاقتصادي أو إعادة إعمار المؤسسات بمدى جدية الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها وقرارها المستقل ، هذه الضغوط تشكل “رافعة” للقوى السيادية داخل طاولة الحوار، حيث يتم استخدام لغة الأرقام والاقتصاد للضغط على بيئة حزب الله والجمهور اللبناني بشكل عام، للتأكيد على أن ثمن البقاء في الفلك الإيراني هو الانهيار الشامل ومع ذلك، ترد طهران عبر أذرعها بأن الحصار هو “مؤامرة” تهدف إلى نزع سلاح المقاومة، وهو ما يعزز حالة الاستعصاء السياسي، حيث تتحول لقمة عيش اللبنانيين إلى ورقة مساومة في صراع دولي أكبر، مما يجعل نجاح الحوار رهينًا بتفاهمات كبرى بين واشنطن وطهران، وليس فقط بإرادة القوى المحلية في بيروت.
السيناريوهات المحتملة
أمام هذا الانسداد المزدوج، يبرز سيناريو “الحل الثالث” أو “النموذج المتدرج” لفك الارتباط، والذي يعتمد على تقليص أدوار حزب الله الإقليمية أولاً “في سوريا واليمن والعراق”، مقابل اعتراف داخلي بدور سياسي واسع له في لبنان، مع بدء نقاش جدي حول دمج تدريجي لقدراته العسكرية ضمن أطر رسمية، هذا السيناريو يفترض أن طهران قد تقبل بتقليص حضورها في لبنان مقابل ضمانات في ملفات أخرى مثل الاتفاق النووي أو رفع العقوبات.
أما السيناريو الآخر، فهو استمرار حالة “الستاتيكو” الحالية، حيث يستمر الحوار كأداة لتنفيس الاحتقان دون نتائج فعلية، مع بقاء الارتباط مع طهران قائمًا وقويًا، مما يعني استمرار لبنان كساحة مفتوحة للرسائل المتبادلة.
إن نجاح لبنان في فرض سيادته يعتمد بشكل أساسي على قدرة المكونات اللبنانية على بناء جبهة وطنية متماسكة ترفض التبعية، وتضع مصلحة “لبنان أولاً” فوق أي اعتبارات أيديولوجية أو مذهبية، وهو ما لم يتحقق بشكل كامل حتى الآن.
فك الارتباط كشرط للعبور نحو الدولة المستقرة
إن تفكيك شيفرة العلاقة بين حزب الله وإيران يظل التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة اللبنانية في عام 2026 وما بعده، فالحوار الوطني، مهما كانت نوايا المشاركين فيه صادقة، سيظل يدور في حلقة مفرغة ما لم يتم معالجة جذور التبعية للخارج.
إن فك الارتباط مع طهران ليس عملاً عدائيًا ضد طائفة أو مكون، بل هو شرط أساسي للعبور نحو دولة المواطنة والاستقرار الاقتصادي والسياسي.
يذكر، أن لبنان الذي كان يلقب بـ “سويسرا الشرق” لا يمكنه العودة إلى سابق عهده وهو يحمل عبء الصراعات الإقليمية فوق أكتافه، وإن الحقيقة المرة التي يجب أن يواجهها اللبنانيون هي أن مفتاح الحل قد يكون في بيروت، لكن القفل مصنع في طهران، وأن كسر هذا القفل يتطلب إرادة وطنية صلبة وظروفًا دولية مواتية، ليبقى الحوار هو النافذة الوحيدة المتبقية للأمل قبل الانزلاق نحو المجهر.

