ذات صلة

جمع

قنابل موقوتة خلف السدود.. كيف تحولت حدود العراق وسوريا إلى كابوس أمني عابر للحدود؟

عاد ملف الحدود العراقية السورية ليتصدر واجهة الاهتمامات الأمنية...

إرث الدم والخراب.. سجل الإخوان في تفكيك النسيج الاجتماعي السوداني

أثار قرار البرلمان الفرنسي بتبني مقترح يدعو لإدراج جماعة...

بين الرصاص والصقيع.. كيف يواجه زيلينسكي أخطر أزمة طاقة منذ بدء الحرب؟

يواجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وحكومته التحدي الأكثر خطورة...

حلم الانتخابات الليبية.. هل تستعيد تونس دورها كصانعة للسلام في طرابلس؟

تتركز أنظار المجتمع الدولي وفعاليات المجتمع المدني الليبي على...

حلم الانتخابات الليبية.. هل تستعيد تونس دورها كصانعة للسلام في طرابلس؟

تتركز أنظار المجتمع الدولي وفعاليات المجتمع المدني الليبي على العاصمة التونسية، التي استعادت بريقها كمنصة دبلوماسية محورية لاحتضان الفرقاء الليبيين.

وتأتي “قمة تونس” الحالية في توقيت شديد الحساسية، حيث تسعى الدولة الجارة لكسر الجمود السياسي الذي خيّم على المشهد لسنوات، ومحاولة إنعاش “حلم الانتخابات” الذي تعثر مرارًا منذ ديسمبر 2021.

وقالت مصادر: إن استضافة تونس لهذا الحوار الليبي-الليبي تحت مظلة الأمم المتحدة وبحضور وزراء خارجية دول الجوار، يعكس إدراكًا عميقًا بأن استقرار طرابلس هو صمام أمان للأمن القومي التونسي والمغاربي على حد سواء.

وتطرح هذه القمة تساؤلات ملحة حول قدرة الدبلوماسية التونسية على صياغة توافقات عملية تنهي حقبة الانقسام المؤسسي وتفتح الباب أمام الاستحقاق الرئاسي والبرلماني المرتقب في منتصف عام 2026.

قمة تونس 2026

تشكل القمة الثلاثية التي انطلقت في تونس مطلع العام الحالي امتدادًا لجهود “الآلية الثلاثية” التي تضم تونس ومصر والجزائر، والتي أُعيد تفعيلها لتوحيد الرؤى حول الضرورات الأمنية والسياسية في ليبيا.

ويهدف هذا الحوار المهيكل إلى تقريب وجهات النظر بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، خاصة بعد إعلان المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عن بدء التحضيرات اللوجستية لإجراء الاقتراع في أبريل 2026.

وتعمل تونس في هذه القمة كطرف وسيط يتمتع بتقدير كافة الأطراف الليبية نظرًا لالتزامها بمبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية”، وهو ما منحها شرعية كافية لاستضافة جلسات “الحوار المُهيكل” الذي يسعى لاختيار ممثلين عن البلديات والأحزاب والجامعات، بهدف تشكيل قاعدة شعبية تدعم خارطة الطريق الأممية وتمنع الارتداد نحو العنف المسلح.

خارطة طريق الانتخابات

تتصدر ملفات القوانين الانتخابية والمصالحة الوطنية أجندة المباحثات في تونس، حيث ما تزال نقاط الخلاف العالقة حول شروط ترشح العسكريين وحملة الجنسيات المزدوجة تشكل العائق الأكبر أمام المضي قدمًا.

وتناقش القمة الحالية مخرجات لجنة “6+6” وسبل تعديلها بما يضمن قبول جميع الأطراف الميدانية والسياسية. ويرى مراقبون أن دور تونس في هذه المرحلة يتجاوز مجرد الاستضافة؛ إذ تسعى الدبلوماسية التونسية إلى إقناع القوى المحلية بضرورة تشكيل حكومة موحدة تشرف على العملية الانتخابية، لضمان نزاهة النتائج وتجنب سيناريوهات الانقسام التي شهدتها دول أخرى.

إن نجاح هذه القمة في تثبيت “الأساس الدستوري” للانتخابات سيمثل الانطلاقة الحقيقية نحو إنهاء شرعية “الأجسام المتآكلة” واستبدالها بمؤسسات منتخبة تعبر عن إرادة 2.8 مليون ناخب ليبي مسجل.

البعد الأمني والاقتصادي

لا يمكن فصل التحرك الدبلوماسي التونسي عن المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة؛ فالتوتر في طرابلس ينعكس مباشرة على حركة المعابر الحدودية في “رأس جدير” و”ذهيبة وازن”.

وتناقش قمة تونس أيضًا ملفات التعاون الاقتصادي وتحويل المعابر إلى مناطق اقتصادية متكاملة، تماشيًا مع خطط تعزيز المبادلات التجارية وتسهيل حركة البضائع والمسافرين. ومن الناحية الأمنية، تسعى تونس بالتعاون مع الجزائر ومصر إلى ضمان عدم انزلاق ليبيا نحو الفوضى التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة، خاصة في ظل التقارير التي تشير إلى مخاطر انتشار المخلفات الحربية وتأثير النزاعات الإقليمية على الحدود المشتركة. لذا، فإن “صناعة السلام” في طرابلس من قِبل تونس هي في جوهرها استثمار في حماية العمق الاستراتيجي التونسي من التهديدات العابرة للحدود.

الضغوط الدولية والدور الأممي

يأتي الزخم الحالي لقمة تونس متزامنًا مع توجهات دولية جديدة، تمثلت في إشارات من الإدارة الأمريكية والبعثة الأممية نحو ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية في ليبيا بحلول عام 2026.

وقد أعطى الدعم الأمريكي لجهود السلام، والذي تجلى في المراسلات الأخيرة بين واشنطن والمجلس الرئاسي الليبي، دفعة قوية للمسار التونسي.

ويراهن المحققون والمراقبون الدوليون على أن “مجلس السلام” الذي يتم الترويج له عالميًا قد يوفر الغطاء الدولي اللازم لحماية مخرجات قمة تونس من التدخلات الخارجية السلبية.

إن هذا التناغم بين الوساطة التونسية الإقليمية والضغط الدولي الأممي يمثل الفرصة الأفضل منذ سنوات لتحقيق اختراق حقيقي في الأزمة، شريطة توفر الإرادة السياسية لدى النخب الليبية المتصارعة لتغليب المصلحة الوطنية على المكاسب الفئوية الضيقة.

صمود المسار السياسي

في ختام أعمالها المرتقبة، تهدف قمة تونس إلى إصدار “ميثاق التزام” من القوى الليبية للمضي نحو انتخابات 2026 دون تراجع.

إن الرسالة التونسية الواضحة هي أن “الحل يجب أن يكون ليبيًا بامتياز”، مع توفير البيئة الحاضنة والضمانات الأمنية اللازمة.

وإذا نجحت تونس في استعادة دورها كصانعة للسلام، فإن ذلك لن يكون نصرًا دبلوماسيًا لقرطاج فحسب، بل سيكون بمثابة شهادة ميلاد لعهد جديد من الاستقرار في شمال أفريقيا.

ويبقى الرهان الأكبر على قدرة الشارع الليبي على الضغط لمواكبة هذه المبادرات الدبلوماسية، لضمان ألا تظل مخرجات القمم مجرد حبر على ورق، بل تتحول إلى صناديق اقتراع تنهي عقدًا من التيه السياسي وتعيد لليبيا سيادتها ووحدة مؤسساتها.