لم يكد جفاف الحبر ينتهي من كتابة تفاصيل التسريب الصوتي للقيادي محمد سيد أحمد الجاكومي، حتى بدأت خيوط المؤامرة السياسية في التكشف داخل أروقة حكومة بورتسودان.
حيث تشير المعلومات الواردة من كواليس السلطة إلى أن قرار عزل الجاكومي من كافة مهامه بات مسألة وقت فقط، هذا التسريب فضح كواليس صناعة القرار وتهميش بعض القيادات.
وبالتوازي مع ذلك، تتوجه الأنظار نحو الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية، الذي تشير التقارير إلى قرب إقصائه من المشهد التنفيذي، في خطوة يراها محللون تصفية نهائية لرموز الحركات المسلحة التي لم تعد تتوافق تطلعاتها مع الأجندة العسكرية الراديكالية التي يقودها عناصر ينتمون للتيار الإسلامي القديم (الإخوان)، والذين يسعون لتنقية الصف من أي عناصر لا تدين بالولاء الكامل للتنظيم.
سيناريو النهاية لحلفاء الضرورة في دارفور
وقالت مصادر: إنه بدأت تظهر ملامح “خطة إقصاء” تهدف إلى عزل حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، ليس فقط سياسيًا بل وعسكريًا من خلال تجفيف منابع قوته.
وتؤكد مصادر مطلعة، أن هناك توجيهات سرية صدرت من مراكز قرار عليا بقطع خطوط الإمداد اللوجستي والمالي عن القوات التابعة لمناوي المرابطة في محاور القتال، وهو ما يفسر حالة التوتر المكتوم بين قواته والجيش في عدة مناطق.
هذا الإجراء يوضح بجلاء أن التوافق الذي ساد في بدايات الحرب كان “زواج ضرورة” هشًا، بدأ يتلاشى أمام تضارب المصالح الشخصية، حيث يسعى الجناح المتشدد داخل القوات المسلحة إلى الانفراد بالقرار العسكري وإزاحة أي قوة موازية قد تشارك في رسم خارطة السودان المستقبلية، مما يضع الجبهة الداخلية على شفا صدام داخلي وشيك بين حلفاء الأمس الذين باتوا ينظرون لبعضهم البعض بعين الريبة والتخوين.
إبعاد ياسر العطا وتحييد الملف الاقتصادي الحساس
وفقًا لما ورد في التسجيل الصوتي المثير للجدل، فإن الترتيبات الجارية داخل غرف العمليات في بورتسودان تتجاوز مجرد تغيير أسماء، بل هي عملية إعادة هندسة كاملة لموازين القوى داخل مجلس السيادة.
حيث يتم التحضير لنقل الفريق أول ياسر العطا من موقعه السياسي المباشر في مجلس السيادة إلى منصب رئيس هيئة الأركان، وهي خطوة تهدف باطنيًا إلى تحييد طموحات العطا السياسية التي بدأت تبرز مؤخرًا، ووضعه تحت قيادة مباشرة تضمن ولاءه للمؤسسة فقط.
وفي ذات السياق، يأتي الحديث عن الإطاحة بالفريق إبراهيم جابر، المسؤول عن الملفات الاقتصادية وإدارة الموارد، ليشكل ضربة قاصمة لتيار “التكنوقراط العسكري” داخل الحكومة؛ إذ أن المساس بهذا الموقع الحساس يشير إلى رغبة التيار الأيديولوجي في السيطرة المباشرة على الموارد المالية لإدارة الحرب وتأمين بقاء التنظيم، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة التحالفات القادمة التي يغلب عليها الطابع السري والشكوك المتبادلة.
إقالة كامل إدريس وفشل غطاء الشرعية الدولية أمام الانقسامات
تطرقت تسريبات الجاكومي بوضوح إلى وجود قرار شبه مؤكد بإقالة رئيس الوزراء كامل إدريس، وهي خطوة تمثل اعترافًا ضمنيًا وفشلاً ذريعًا لتجربة “الواجهة المدنية” التي حاولت السلطة من خلالها تسويق نفسها أمام المجتمع الدولي كإدارة انتقالية شرعية.
التغلغل الإخواني في مفاصل الدولة
كما ترى مصادر، أن كل الشواهد والتحركات الأخيرة، من إقصاء مناوي وجبريل والجاكومي، تصب في مصلحة إعادة تمكين “فلول النظام القديم” والتيار الإخواني الذي يرى في الحرب فرصة ذهبية لاستعادة نفوذه الضائع.
حالة “الشد والجذب” التي فضحتها التسريبات، وتداول نسب مئوية لاحتمالات إقالة قيادات وازنة مثل الفريق كباشي، تؤكد أن بورتسودان لم تعد مركزًا لقرار وطني موحد، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية.
هذا التضارب السري والعلني في التوجهات يعكس غياب الرؤية الوطنية لصالح أجندة التنظيم، مما يجعل المواطن السوداني والمجتمع الدولي أمام سلطة لا تملك قرارها بشكل مستقل، بل تخضع لضغوط تيارات خفية تسعى لإطالة أمد الصراع لضمان بقائها في السلطة، ولو على حساب وحدة وتماسك المؤسسة العسكرية ذاتها.

