يواجه الواقع الفلسطيني الحالي واحدة من أكثر لحظاته التاريخية تعقيدًا وحرجًا، حيث لم يعد النقاش حول كيفية إدارة الشأن اليومي في قطاع غزة مجرد تفصيل إداري، بل تحوّل إلى صلب الصراع على السيادة والهوية الوطنية.
في ظل التحديات الراهنة، يبرز مقترح تشكيل “لجنة وطنية لإدارة غزة” كخيار حتمي لا بديل عنه، تفرضه معطيات الميدان، وتقاطعات القانون الدولي، وضرورات الحفاظ على وحدة الكيان السياسي الفلسطيني.
الأبعاد السياسية
تكمن الأهمية السياسية القصوى لهذا المقترح في كونه حائط الصد الأول أمام مشاريع “الفصل المكاني” و”الإدارات البديلة”، حيث تسعى سلطات الاحتلال إلى خلق حالة من الفراغ القيادي في القطاع، تمهيدًا لفرض إدارات محلية منزوعة الصلاحيات السياسية، أو ما يُعرف بـ”الإدارة المدنية المنفصلة”.
إن بروز مقترح اللجنة الآن يأتي لقطع الطريق على هذه السيناريوهات، من خلال تقديم بديل وطني شرعي يرفض تجزئة التمثيل الفلسطيني.
سياسيًا، تعمل هذه اللجنة كـ”حكومة ظل مهنية” تضمن بقاء غزة ضمن الولاية السياسية للمظلة الوطنية الجامعة، وتمنع تحوّل القطاع إلى بؤرة فوضى أمنية تخدم أجندات تصفية القضية الوطنية، كما أنها توفر “مخرجًا آمنًا” للقوى الميدانية للتراجع خطوة إلى الخلف لصالح العمل المؤسسي الوطني، بما يخفف الضغوط الدولية المفروضة على القطاع.
الأبعاد القانونية
من الناحية القانونية، يواجه قطاع غزة معضلة “الاعتراف والتعامل”، فالعديد من دول العالم والمنظمات الأممية والجهات المانحة تجد حرجًا أو منعًا قانونيًا في التعامل مع أجسام فصائلية مُصنَّفة دوليًا، أو إدارات أمر واقع غير معترف بها.
وهنا تبرز القيمة القانونية للجنة الإدارة؛ فهي تستمد شرعيتها من المظلة الرسمية المعترف بها دوليًا، مما يمنحها الصلاحية القانونية للتوقيع على اتفاقيات إعادة الإعمار، واستلام المساعدات الضخمة، وإدارة المعابر والحدود وفقًا للمعاهدات الدولية.
يفرض القانون الدولي الإنساني على القوة القائمة بالاحتلال مسؤوليات معينة، لكن وجود جسم فلسطيني موحّد يُسقط الذريعة الأمنية التي يستخدمها الاحتلال لتبرير استمرار الحصار أو فرض وصاية إدارية.
إن تشكيل اللجنة وفقًا للمعايير المهنية والقانونية يضمن استمرارية المرفق العام (القضاء، والصحة، والتعليم) بعيدًا عن التجاذبات السياسية، مما يحفظ الحقوق المدنية للمواطنين في ظل غياب الاستقرار السياسي الكامل.
حتمية الخيار
لماذا يبرز هذا الخيار الآن؟ تكمن الإجابة في اقتراب استحقاقات “اليوم التالي للحرب”، فالواقع المأساوي في القطاع لم يعد يحتمل الحلول الترقيعية؛ إذ يحتاج دمار البنية التحتية إلى “خطة مارشال” مصغرة لا يمكن تنفيذها دون إدارة موحّدة.
علاوة على ذلك، فإن مقترح اللجنة يمثل الرد العملي على محاولات “التهجير القسري”، فبناء جسم إداري قادر على توفير سبل العيش، وتوزيع المساعدات بعدالة، والبدء في ترميم المساكن، هو الضمان الوحيد لتثبيت المواطن في أرضه.
إن غياب الإدارة يعني الفوضى، والفوضى هي المحرك الأول للهجرة والنزوح، ومن هنا تصبح اللجنة “خيارًا حتميًا” للأمن القومي الفلسطيني العام، وليست مجرد ترف سياسي.

