لم تكن ليلة هادئة على آلاف الموظفين العراقيين ممن استثمروا سنوات عمرهم في نيل الشهادات العليا “الدبلوم العالي، الماجستير، والدكتوراه”.
فبين أروقة الأمانة العامة لمجلس الوزراء ودهاليز وزارة المالية، بدأت تتسرب ملامح سياسة جديدة توصف في الصالونات السياسية بـ “الترشيد”، بينما يراها أصحاب الشأن “تجفيفًا” ممنهجًا للامتيازات المالية التي كانت تشكل الحافز الوحيد للبحث العلمي والتطوير الوظيفي.
صدمة “مخصصات الشهادة”
منذ عقود، اعتمد النظام الوظيفي العراقي على منح مخصصات مالية مقطوعة تضاف إلى الراتب الاسمي بناءً على التحصيل الدراسي.
هذه المخصصات “100% للدكتوراه، 75% للماجستير، و25% للبكالوريوس” كانت تعتبر “المقدس” الذي لا يمس في ميزانية الموظف، إلا أن التوجهات الأخيرة، التي بدأت بفرض قيود على احتساب الشهادات المكتسبة أثناء الخدمة، أثارت تساؤلات كبيرة هل تبحث الدولة عن مخرج لأزمتها المالية من جيوب النخبة المتعلمة؟
دوافع الحكومة: تضخم وظيفي أم عجز مالي؟
وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن فاتورة الرواتب في العراق تجاوزت الـ 60 تريليون دينار، وهو رقم يرهق كاهل الدولة التي تعتمد بنسبة 90% على النفط.
ويرى بعض المستشارين الحكوميين، أن “التهافت” على نيل الشهادات العليا لم يعد مرتبطًا بالحاجة الميدانية لتطوير العمل، بل تحول إلى وسيلة لرفع الدخل المادي فقط، مما خلق تضخمًا في الرتب الوظيفية دون “قيمة مضافة” حقيقية في الأداء الإداري.
في المقابل، تؤكد اللجان التنسيقية لحملة الشهادات العليا أن أي مساس بهذه الامتيازات هو “خيانة للبحث العلمي”، فالموظف الذي ينفق ملايين الدنانير للحصول على شهادة، يتوقع أن يسترد هذا الاستثمار من خلال العلاوات والمخصصات، وإلغاء هذه الحوافز يعني فعليًا قتل الرغبة في التطور المعرفي داخل مؤسسات الدولة.
التعقيدات القانونية والبيروقراطية
الأزمة لم تتوقف عند المخصصات، بل امتدت لتشمل “العنوان الوظيفي”. القرارات الأخيرة جعلت من الصعب تغيير العنوان الوظيفي للموظف بعد حصوله على شهادة أعلى إذا لم تكن الشهادة ضمن “خطة الاحتياج” المسبقة للدائرة، هذا التعقيد وضع آلاف الموظفين في حيرة؛ فهم يحملون شهادات دكتوراه وماجستير، لكنهم يتقاضون رواتب ومكانة وظيفية تعادل شهادة الإعدادية أو البكالوريوس، فيما يعرف بظاهرة “تجميد الشهادة”.
التداعيات الاجتماعية والسياسية
يعد ملف أصحاب الشهادات العليا في العراق من الملفات الحساسة التي حركت الشارع في تظاهرات تشرين وما بعدها. إن المساس بهذه الشريحة قد يفتح جبهة احتجاجية جديدة ضد الحكومة.
وحذرت مصادر من أن “تجفيف” الامتيازات سيؤدي إلى هجرة العقول المتبقية نحو القطاع الخاص أو خارج البلاد، مما يترك مؤسسات الدولة تديرها عقول تفتقر للتحديث الأكاديمي.
تجد الحكومة العراقية نفسها بين مطرقة صندوق النقد الدولي الذي يطالب بضغط النفقات، وسندان الموظفين الذين يطالبون بحقوقهم المكتسبة.
ويبدو أن الشهادة الجامعية في العراق لم تعد “جواز مرور” لحياة كريمة، بل أصبحت عبئًا يخشى الموظف أن يفقد بسببه استقراره المالي تحت غطاء “الإصلاح الإداري”.

