تخيّم حالة من القلق العميق على المشهد الصحي في قطاع غزة، مع اقتراب موعد تنفيذ قرار إسرائيلي بحظر عمل عدد من المنظمات الإنسانية الدولية، وفي مقدمتها منظمة “أطباء بلا حدود”، في خطوة تنذر بفراغ طبي خطير داخل قطاع أنهكته الحرب والحصار وتآكل بنيته الصحية إلى حدها الأدنى.
مستشفيات مثقلة ومرضى بلا بدائل
وداخل مستشفى ناصر في خان يونس، تبدو الصورة أكثر قتامة. أقسام المستشفى مكتظة بمرضى وجرحى يعتمدون بشكل شبه كامل على الفرق الطبية التابعة للمنظمات الدولية، وسط عجز واضح في الكوادر والإمدادات المحلية.
ويخشى كثيرون أن يتحول هذا الاعتماد إلى نقطة ضعف قاتلة، إذا ما غادرت “أطباء بلا حدود” القطاع، تاركة آلاف المرضى بلا رعاية منتظمة أو متابعة طبية.
وأطفال مصابون بشظايا، مرضى حروق، وأصحاب أمراض مزمنة، جميعهم يواجهون احتمال انقطاع العلاج في لحظة حرجة، حيث لم يعد النظام الصحي المحلي قادرًا على استيعاب الأعباء المتراكمة منذ أكثر من عامين من الحرب.
قرار سياسي وتداعيات إنسانية
القرار الإسرائيلي، المقرر دخوله حيز التنفيذ خلال أسابيع، يستند إلى اتهامات بعدم التزام منظمات إنسانية بتقديم بيانات تفصيلية حول موظفيها.
غير أن هذا التبرير قوبل برفض واسع من قبل المنظمات الدولية، التي اعتبرت الخطوة ذات طابع سياسي، وتنعكس مباشرة على المدنيين لا على الجهات المتهمة.
وتحذر مؤسسات إغاثية من أن الحظر لن يقتصر أثره على العمل الطبي فقط، بل سيمتد ليطال سلاسل الإمداد الغذائي والدوائي، في وقت يعاني فيه القطاع من نقص حاد في المستلزمات الأساسية، ما يجعل أي تقليص إضافي بمثابة ضربة قاصمة للقدرة على الصمود.
“أطباء بلا حدود”.. عمود فقري للرعاية
تلعب “أطباء بلا حدود” دورًا محوريًا في المنظومة الصحية داخل غزة، إذ توفر نسبة كبيرة من أسرّة المستشفيات، وتدير شبكة واسعة من المراكز الصحية المنتشرة في مناطق متفرقة من القطاع.
المراكز لا تقدم العلاج فقط، بل تشكل شريان حياة يومي لآلاف الأسر التي فقدت القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية التقليدية.
إلى جانب العمليات الجراحية والعلاج الطارئ، تركز المنظمة على رعاية الأطفال وصحة الأمهات، وتتابع حالات الولادة في ظروف شديدة القسوة، ما يجعل غيابها فجوة يصعب سدها في المدى القريب.
مخاوف من انهيار صامت
تخشى الأوساط الطبية والإنسانية من سيناريو انهيار تدريجي للخدمات الصحية، لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل بصمت عبر تراجع القدرة على الاستجابة للحالات الطارئة، وتأخير العلاجات، وارتفاع معدلات المضاعفات والوفيات، خاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن.
ويرى عاملون في المجال الإنساني، أن استبدال منظمة بحجم “أطباء بلا حدود” خلال فترة قصيرة أمر شبه مستحيل، نظرًا لتعقيدات العمل الميداني، والحاجة إلى كوادر مدربة، وبنية لوجستية قائمة بالفعل داخل القطاع.
مع اقتراب الموعد المحدد لتنفيذ القرار، يبقى مستقبل الرعاية الصحية في غزة معلقًا على رهانات سياسية وضغوط دولية لم تتضح نتائجها بعد.
بينما تستمر الفرق الطبية في عملها وسط ظروف استثنائية، يتزايد الخوف من لحظة قد يجد فيها المرضى أنفسهم بلا يد تمتد إليهم.

