في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، اختارت القيادة الإيرانية رفع منسوب الخطاب الأمني، مع تأكيدها أن البلاد باتت في قلب حرب مفتوحة تتجاوز معناها العسكري التقليدي إلى تهديدات داخلية عميقة.
حديث أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني لم يكن توصيفًا عابرًا لحالة طارئة، بل محاولة واضحة لإعادة رسم المشهد الداخلي بوصفه ساحة مواجهة لا تقل خطورة عن الجبهات الخارجية.
إيران في زمن الطوارئ المفتوحة
الرسالة الأساسية التي سعى لاريجاني إلى ترسيخها تقوم على أن توقيت الاحتجاجات وتحولها السريع نحو أهداف سيادية وأمنية لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الصراع، توصيف البلاد بأنها تعيش في خضم حرب يعكس انتقال الدولة من منطق إدارة الأزمات إلى منطق الطوارئ، حيث تصبح أي تحركات غير منضبطة تهديدًا مباشرًا للأمن القومي وليس مجرد تعبير اجتماعي أو سياسي.
الخطاب عكس قناعة لدى مؤسسات الحكم بأن الاحتجاجات تجاوزت حدود المطالب الاقتصادية، واتجهت نحو مسارات أكثر خطورة تهدد بنية الدولة نفسها، خاصة مع محاولات الاقتراب من مراكز عسكرية وأمنية، وهو ما اعتبرته طهران مؤشرًا على سيناريو فوضوي قد يقود إلى صدام داخلي واسع.
الخطر الداخلي ومعادلة السلاح
التحذير من الانزلاق إلى حرب أهلية لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بإشارات واضحة إلى محاولات تسليح أو الاستيلاء على أسلحة، وهي نقطة حساسة في أي دولة تعيش توترًا سياسيًا، وفي هذا السياق، بدا أن القيادة الإيرانية تحاول قطع الطريق مبكرًا على أي تصعيد مسلح، عبر التلويح بحسم أمني وقضائي لا يعرف التراخي.
ورغم الاعتراف بوجود أزمات اقتصادية حقيقية تضغط على الشارع، فإن الخطاب الرسمي يضع خطا فاصلا بين المطالب المعيشية المشروعة وبين ما يصفه بمحاولات التخريب وتقويض الأمن، في معادلة تسعى من خلالها الدولة إلى نزع الشرعية عن أي تحرك يخرج عن الإطار السلمي.
بالتوازي مع التحذير من الخطر الداخلي، أعادت طهران توجيه بوصلتها نحو الخارج، متهمة الولايات المتحدة بلعب دور محوري في تحويل الاحتجاجات إلى موجات عنف واسعة، هذا الاتهام يعكس ثابتًا راسخًا في الخطاب الإيراني، يقوم على ربط أي اضطراب داخلي بتدخلات خارجية، خاصة في ظل تصاعد التوتر مع واشنطن.
الحديث عن تنسيق أميركي إسرائيلي لزعزعة الاستقرار يعزز رواية الحصار السياسي والأمني المفروض على إيران، ويمنح القيادة مبررًا إضافيًا لتشديد قبضتها الداخلية باعتبارها في مواجهة مخطط متعدد الأطراف.
رسائل ترامب وحدود الردع
في المقابل، لم تتأخر واشنطن في الرد، حيث جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتصب مزيدًا من الزيت على نار التوتر. توصيف إيران بأنها تمر بورطة كبيرة، والتلويح بضربات عسكرية دقيقة، يضع المنطقة أمام مشهد شديد الحساسية، تتقاطع فيه الاحتجاجات الشعبية مع حسابات الردع العسكري.
رسائل ترامب حملت تهديدًا واضحًا باستخدام القوة دون الانزلاق إلى تدخل بري، وهو ما يعكس توجهًا نحو الضغط من الجو، في محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك مع طهران دون فتح جبهة شاملة.

